24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة هل تصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة النبطية؟
هل تصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة النبطية؟
العميد محمد الحسيني
2026-05-27
هل تصل قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة النبطية؟

عسكرياً، تبدو إمكانية الوصول إلى مدينة النبطية ممكنة من الناحية النظرية إذا قرر الجيش الإسرائيلي الاعتماد على قوة نارية كثيفة وقبول خسائر بشرية مرتفعة، إلا أن الواقع الميداني يجعل هذه المهمة بالغة التعقيد والصعوبة.
فالدخول إلى مركز مدينة بحجم النبطية لا يشبه توغلاً محدوداً في القرى الحدودية الأمامية، بل يفرض مواجهة بيئة قتالية معقدة تتحكم بها مجموعة من العوامل الجغرافية والميدانية والعسكرية:
 

 الطبيعة الجغرافية والدفاعية للمدينة

النبطية ليست بلدة حدودية مكشوفة، بل هي العاصمة الإدارية للمحافظة ومركز ثقل حضري كبير. فالمدينة مبنية على تلال ومرتفعات، وتتميز بأحيائها السكنية المتداخلة والضيقة، وهو ما يُعرف عسكرياً بـ«حرب المدن» (Urban Warfare). وهذا النوع من التضاريس يُفقد الدبابات والمدرعات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من تفوقها التكنولوجي، ويجعلها عرضة للكمائن وصواريخ الكورنيت الموجهة.
 

خطوط الدفاع والمواجهة

قبل أن تصل الآليات الإسرائيلية إلى شوارع النبطية، يتوجب عليها أولاً تثبيت سيطرتها الكاملة على التلال والبلدات المحيطة بها، مثل زوطر، كفرتبنيت، حبوش، ومحيط قلعة الشقيف. والمعارك الدائرة حالياً تُظهر أن القوات الإسرائيلية تواجه مقاومة شرسة بمجرد اقترابها من هذه الأطراف، وتحديداً عند مجرى نهر الليطاني، حيث تُستهدف تجمعاتها بالمسيّرات الانقضاضية والمدفعية، ما يعني أن الحافة الدفاعية للمدينة لا تزال متماسكة.
 

التكتيك الإسرائيلي الحالي (تجنب القتال المباشر)

يعلم الجيش الإسرائيلي جيداً كلفة دخول المدن؛ لذلك يُلاحظ، من خلال إنذارات الإخلاء الشاملة والقصف الجوي المكثف، أنه يعتمد تكتيك «الأرض المحروقة»:

- محاولة تفريغ المدينة بالكامل من سكانها ومدافعيها عبر التدمير، بهدف تقليل الخسائر في صفوف جنوده.
- الاعتماد على القصف من مسافات بعيدة، وتوسيع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» (المنطقة العازلة)، بدلاً من التورط في قتال شوارع مباشر داخل عمق التجمع السكني الكبير للنبطية.
 

الكلفة البشرية والسياسية

تضغط القرارات السياسية في تل أبيب، بقيادة نتنياهو، باتجاه «تعميق العمليات»، لكن الدخول إلى عمق النبطية سيعني حتماً ارتفاعاً كبيراً في عدد القتلى والجرحى بين الجنود الإسرائيليين، وهو أمر يتحسب له الجيش الإسرائيلي بدقة، لا سيما مع استمرار محاولات التفاوض السياسي في الخلفية.
باختصار، تُعدّ النبطية، من الناحية الاستراتيجية، هدفاً كبيراً ومحصناً. فتدمير المدينة من الجو ممكن، وإسرائيل تفعله حالياً، أما اجتياحها برياً والسيطرة عليها، فدونه معارك استنزاف طويلة وضارية لم تنجح القوات الإسرائيلية، حتى الآن، في حسمها على أطراف البلدة.
أما إذا استمرت العمليات بالوتيرة الحالية، فإن تقدير الوقت اللازم لوصول القوات الإسرائيلية إلى مداخل مدينة النبطية يعتمد على الجغرافيا العسكرية وسرعة الحركة الميدانية، لا على المسافة الجغرافية المجردة.
وتُقدَّر المسافة من أطراف بلدة زوطر الشرقية، وهي نقطة الاشتباك الحالية، إلى مداخل النبطية بنحو 9 كيلومترات.
وفي التكتيكات العسكرية المعتمدة في جنوب لبنان، لا تُقاس هذه المسافة بالدقائق، بل بحجم «القضم البطيء» ومستوى المقاومة. وفي ما يلي أبرز السيناريوهات الميدانية المتوقعة:
 

1. سيناريو «الوتيرة الحالية» (التوغل البطيء والحذر)

الوقت المتوقع: من أسبوع إلى أسبوعين على الأقل.
السبب: تعتمد إسرائيل حالياً على تكتيك الاستطلاع بالنار، والتقدم لبضع مئات من الأمتار ثم التراجع، مع تأمين الأودية ومحاولة تجنب الكمائن. ولكي تقطع الآليات مسافة 9 كيلومترات من زوطر إلى النبطية، يتوجب عليها عبور بلدات مأهولة ومرتفعات حاكمة، مثل كفرتبنيت أو أرنون ومحيط الشقيف، وهو ما قد يستغرق أياماً طويلة من القتال لكل بلدة على حدة، بهدف تأمين خطوط الإمداد ومنع الالتفاف من الخلف.
 

2. سيناريو «الاندفاع السريع» (الاجتياح المدرع الخاطف)

الوقت المتوقع: من 48 إلى 72 ساعة.
السبب: من الناحية النظرية، تستطيع أرتال الدبابات والمدرعات قطع مسافة 9 كيلومترات خلال ساعات قليلة إذا كانت الطرق سالكة. إلا أن تطبيق هذا السيناريو يبدو مستبعداً عسكرياً في هذه المنطقة، لأن الدفع بالمدرعات عبر طرق جبلية مكشوفة من دون تمشيط كامل يضعها في مرمى صواريخ الكورنيت والكمائن، وهو ما اختبرته القوات الإسرائيلية وتسعى إلى تجنبه حالياً.
 

3. سيناريو «الاستعصاء» (توقف التقدم)

الوقت المتوقع: قد لا تصل القوات برياً لأسابيع، وربما لا تصل أبداً.
السبب: تفرض الطبيعة الطبوغرافية للمنطقة، بما فيها الوديان السحيقة والتلال المرتفعة، صعوبة كبيرة على حركة الآليات. وإذا نجحت الدفاعات الأرضية وحرب العصابات التي يخوضها حزب الله في محاصرة نقاط العبور عند مجرى النهر وإلحاق خسائر كبيرة بالآليات، فقد تتجمد الجبهة البرية عند القرى المحيطة، وتكتفي إسرائيل بمحاصرة النبطية بالنار والقصف الجوي من بعيد، كما تفعل اليوم عبر إنذارات الإخلاء والغارات المكثفة، من دون الدخول إليها برياً.

الخلاصة الميدانية
تُقاس وتيرة التقدم البري الإسرائيلي في جنوب لبنان بالأمتار والتلال، لا بالكيلومترات. وطالما أن المعركة لا تزال تدور عند ضفاف النهر وأطراف زوطر، فإن المداخل المباشرة لمدينة النبطية لا تزال بعيدة ميدانياً لعدة أيام أو أسابيع، فيما يركز التحرك الإسرائيلي الحالي على التدمير الجوي التمهيدي بديلاً من المغامرة البرية السريعة.3

رأي اليوم
أخبار مماثلة