كان والدي، رحمه الله، يردّد على مسمعي هذه المقولة:
«لو دامت لغيرك لما آلت إليك».
ما أعمق أبعاد هذه العبارة، وما أبلغ ما تختزنه من حكمة وتجربة!
إنّها من الحكم الخالدة التي ينبغي ألّا تغيب عن بال أيّ مسؤول يتقلّد منصبًا، صغر شأنه أم علا. وهي مقولة منقوشة على قصر «السيف» في دولة الكويت، كما أنّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري وضع عبارة مشابهة على مدخل السرايا الكبير: «لو دامت لغيرك لما اتّصلت إليك».
إنّ هذا الكلام العميق في معناه يجب أن يكون البوصلة التي يهتدي بها كلّ من يرى في نفسه دوامًا أو جبروتًا أو استئثارًا بالسلطة. فالمناصب، مهما طال أمدها، إلى زوال، والسلطة مهما تعاظمت، تبقى عابرة لا تستقرّ لأحد.
ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ بعض السياسيّين يتوهّمون أنّهم قد تملّكوا المناصب التي أُوكلت إليهم، متناسين أنّ الكرسيّ لا يدوم، وأنّ التاريخ لا يرحم المتشبّثين بالمواقع على حساب القيم والمبادئ. لذلك، وجب على كلّ مسؤول أن يتّعظ ممّن سبقه، وأن يدرك أنّ خدمة الناس هي الغاية، لا التمسّك بالمناصب والمكاسب.
إنّ وضع هذه المقولة في مكاتب المسؤولين قد يجعل منهم أكثر زهدًا في السلطة، وأكثر تواضعًا في التصرّف، وأكثر شعورًا بثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم.
هذا في الواقع السياسيّ العامّ، أمّا في الواقع اللبنانيّ، فالأمر يبدو مختلفًا في كثير من الأحيان، إذ يظنّ بعض المسؤولين أنّهم مخلّدون، وأنّ ساعة الحساب أو التغيير لن تأتي أبدًا.
وقد أحسن أحد الشعراء حين قال:
«وأعزُّ ما يبقى ودادٌ دائمٌ
إنّ المناصب لا تدوم طويلًا»
حبّذا لو يتّعظ بعض رجال السياسة في لبنان من هذه الحكمة الراقية والجوهريّة، فنكون عندئذٍ أمام بداية طريق الإصلاح الحقيقيّ والتغيير المنشود، على مختلف الصعد الحياتيّة والبنيويّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة والصحّيّة والنفسيّة، بما يعزّز مكانة الدولة وهيبتها ومرتكزاتها.
ولعلّ أجمل ما يُختتم به هذا الكلام، أنّ الإنسان لا يُخلَّد بمنصبه، بل بأثره الطيّب وسيرته الحسنة وأعماله النبيلة. فالمناصب تُنتزع، أمّا الفضائل فتبقى شاهدة على أصحابها مهما تبدّلت الأزمنة وتعاقبت الوجوه.
ونختم بقول الشاعر:
«إنّ المناصب لا تدوم لواحدٍ
فإن كنتَ في شكٍّ فأين الأوّلُ؟
فاصنعْ من الفعل الجميل فضائلًا
فإذا عُزلتَ فإنّها لا تُعزلُ»
القاضي م. جمال الحلو