24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "عايف التنكة"!
"عايف التنكة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-31
"عايف التنكة"!

تستعمل غالبيّة الناس في بلاد الشام عبارة «عايف التنكة» للدلالة على بلوغ حالة من اليأس والإحباط واللامبالاة. فما أصل هذه العبارة؟ وما قصّتها؟

إنّ كلمة «عايف» مشتقّة من الفعل عاف، فيُقال: عاف الشيءَ، أي تركه وأهمله وزهد فيه. أمّا كلمة «التنكة» فهي في اللغة اسمٌ لصفيحة رقيقة من المعدن تُطلى بالقصدير، وتُصنع منها أوعيةٌ لحفظ السوائل وغيرها.

غير أنّ كلمة «التنكة» في هذا المثل الشعبي تحمل معنىً مختلفًا؛ إذ كانت تشير إلى قطعة معدنيّة تُمنح لمن أنهى خدمته الإلزاميّة في الجيش العثماني، فتكون بمثابة وثيقة إثبات يُبرزها عند توقيفه من قبل دوريّات الجيش، ليدلّ بها على أنّه أتمّ خدمته العسكريّة الإجباريّة، فيُخلّى سبيله. أمّا إذا لم تكن هذه القطعة بحوزته، فقد يُعاد سوقه إلى الخدمة مجدّدًا ضمن ما عُرف بـ«السفر برلك»، وهي كلمة تركيّة (Seferberlik) تعني التعبئة العامّة أو النفير العام والاستعداد للحرب، وقد ارتبطت في الذاكرة الشعبيّة بسنوات الحرب العالميّة الأولى وما حملته من معاناة ومآسٍ.

ونظرًا إلى الأهمّيّة الكبرى لهذه القطعة المعدنيّة، كان بعض الشبّان يثقبونها ويمرّرون فيها خيطًا يعلّقونه في أعناقهم، لتبقى ملازمةً لهم أينما ذهبوا، خشية فقدانها وما قد يترتّب على ذلك من عواقب جسيمة.

ومن هنا تتّضح دلالة عبارة «عايف التنكة»؛ إذ إنّ التخلّي عن هذه القطعة أو إلقاءها جانبًا لم يكن أمرًا هيّنًا، فهي الضمانة الوحيدة التي تعفي صاحبها من العودة إلى أهوال الحرب وويلاتها. لذلك أصبح يُضرب المثل بمن بلغ من اليأس والإحباط مبلغًا جعله غير مكترثٍ حتى بما يحفظ له أمنه وسلامته، وكأنّه لم يعد يبالي بما قد يصيبه، مهما كان الخطر محدقًا به. وهكذا غدت عبارة «عايف التنكة» مرادفة لحالة الاستسلام النفسي وفقدان الرغبة في التمسّك بما كان يُعدّ في يومٍ من الأيام غايةً في الأهمّيّة.

تلك هي قصّة «عايف التنكة» في زمن الحكم العثماني. أمّا في زماننا هذا، وفي وطنٍ أثقلته الأزمات وخيّبت فيه الآمال مرارًا، فإنّ كثيرًا من اللبنانيّين يشعرون وكأنّهم «عايفين التنكة»، و«عايفين الحال»، وقد أنهكتهم المعاناة حتّى غدا الأمل نفسه يحتاج إلى من يحييه في النفوس.

ولعلّ العبرة الأبلغ في هذه الحكاية أنّ الإنسان، مهما اشتدّت عليه المحن، لا ينبغي أن يسمح لليأس بأن ينتزع منه إرادة الحياة. فالتاريخ يعلّمنا أنّ أشدّ الأزمنة ظلمةً لا تخلو من نافذة نور، وأنّ التمسّك بالأمل، ولو كان ضئيلاً، يبقى أقوى من الاستسلام للقنوط وأبقى أثرًا في صناعة الغد.

فيا ربّ ارحم عبادك، وأنت أرحم الراحمين.

جنوبيات
أخبار مماثلة