يُحكى في خوابي الزمان أنّ أحد الملوك خرج يتنزّه بين الحقول، فرأى فلّاحًا يحرث الأرض وهو في غاية السرور، يدندن بكلمات متناثرة في نشاط وابتهاج.
فقال له الملك:
— أيّها الرجل، أراك سعيدًا بعملك في هذه الأرض، أفهي لك؟
فأجاب الفلّاح:
— لا يا سيّدي، ليست لي، وإنّما أعمل فيها بالأجرة.
فقال الملك:
— وكم تتقاضى لقاء عملك هذا؟
قال الفلّاح:
— أربعة قروش في كلّ يوم.
فتعجّب الملك وقال:
— وهل تكفيك؟
ابتسم الفلّاح وقال:
— نعم يا سيّدي، تكفيني وتزيد. فقرش أصرفه على عيشي، وقرش أسدّد به ديني، وقرش أُسلفه لغيري، وقرش أنفقه في سبيل الله.
فقال الملك:
— لقد حيّرتني بقولك هذا، فهلاّ أوضحت لي معناه؟
قال الفلّاح:
— أمّا القرش الذي أصرفه على عيشي، فهو ما أعيش منه أنا وزوجتي.
وأمّا القرش الذي أسدّد به ديني، فهو ما أنفقه على أبي وأمّي، فقد ربّياني صغيرًا وأحسنا إليّ حين كنت محتاجًا، وها هما اليوم كبيران لا يقويان على العمل.
وأمّا القرش الذي أُسلفه لغيري، فهو ما أنفقه على أولادي؛ أُطعمهم وأكسوهم وأربّيهم، فإذا كبروا ردّوا الجميل، كما رددتُ أنا الجميل لوالديّ.
وأمّا القرش الذي أنفقه في سبيل الله، فهو ما أخصّ به شقيقتَيَّ المريضتين من عون ورعاية.
عندئذٍ قال الملك:
— أحسنت يا رجل، فما كلّ الحكمة تسكن القصور.
ثمّ أعطاه شيئًا من المال وانصرف، وهو معجب بما سمع من رجاحة عقل وصفاء بصيرة.
إنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يعرف من حقوقٍ عليه وواجباتٍ تجاه من حوله. وقد علّمنا ذلك الفلّاح أنّ البرّ بالوالدين، ورعاية الأبناء، ومساندة المحتاج، ليست أعباءً تُثقِل الحياة، بل هي التي تمنحها معناها الحقيقي. وحين يسود العدل وتستقيم القيم، يهنأ الناس بالقليل ويجدون في الرضا كنزًا لا ينفد.
فأين نحن اليوم من تلك المعاني النبيلة، في زمنٍ أثقلت فيه المحن كواهل الناس، وتزاحمت فيه الهموم على القلوب؟ إنّ حاجتنا إلى الحكمة والتكافل والعدل لا تقلّ عن حاجتنا إلى الرزق، بل لعلّها أشدّ.
رحماك يا ربّ السماء.
القاضي م جمال الحلو