24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ثمن عشر ثوانٍ"!
"ثمن عشر ثوانٍ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-06-07
"ثمن عشر ثوانٍ"!

يُحكى في خبايا الزمن وخفايا المحن أن خيّاطًا عُرف بالحكمة والرصانة، جاءه ذات يوم شابّ يطلب منه أن يخيط له بنطالًا على موضة ذلك الزمان. نظر الخيّاط إلى وجه الشاب، فرآه شاحبًا عابسًا، وقد ارتسمت عليه علامات الضيق والغضب.

فقال له:
— سأخيط لك ما تريد، ولكن ما لي أراك مهمومًا على هذا النحو؟

أجاب الشاب:
— لقد وقعت بيني وبين أحد أصدقائي مشادة كلامية صباح اليوم بسبب أمر بسيط، ومنذ ذلك الحين وأنا لا أستطيع إخراج ما حدث من رأسي.

ابتسم الخيّاط وقال:
— دعني أسألك سؤالًا. لو أنك ربحت في مسابقة فكرية مبلغًا قدره 86400 دولار أمريكي، ثم جاء ذلك الشخص نفسه وسرق منك عشرة دولارات وفرّ هاربًا، فهل ستطارده تاركًا وراءك 86390 دولارًا، أم ستكمل طريقك محتفظًا بالمبلغ الأكبر؟

أجاب الشاب من دون تردد:
— بالطبع سأتركه وأكمل طريقي، فالعاقل لا يضيّع المبلغ الأكبر من أجل القليل.

هزّ الخيّاط رأسه وقال:
— هذا هو التصرف الحكيم فعلًا، ولكنك اليوم فعلت العكس تمامًا!

نظر إليه الشاب متعجبًا وسأله:
— وكيف ذلك؟

فأجابه الخيّاط مبتسمًا:
— لأن الرقم 86400 هو عدد الثواني في اليوم الواحد. لقد سمحت لعشر ثوانٍ من الكلام المزعج أن تسرق منك بقية يومك. فمنذ وقوع المشادة وأنت تستنزف وقتك وطاقتك وتفكيرك في أمر لا يستحق، وكأنك تركت 86390 ثانية تضيع منك بسبب عشر ثوانٍ فقط.

ثم أردف قائلًا:
— لا تجعل كلمة جارحة أو موقفًا عابرًا يتحكم في يومك وحياتك. فالوقت أثمن من المال، لأنه إذا ذهب المال أمكن تعويضه، أما الوقت فلا يعود أبدًا. واعلم أن من يسعى إلى الشر يشبه المقصّ الذي يفرّق بين الأشياء، فكن أنت كالإبرة التي تجمع ما فرّقه المقص، وتصلح ما أفسدته الخصومات بين الناس.

وما أجمل ما قيل في الحكمة: "الوقت كالسيل، إن لم تقطعه قطعك".

إن كثيرًا من معارك الحياة لا تستحق أن نخسر من أجلها صفاء أرواحنا أو ساعات أعمارنا. فالحكيم ليس من ينتصر في كل جدال، بل من يعرف أيَّ جدالٍ يستحق أن يخوضه، وأيَّ موقفٍ يجدر به أن يتجاوزه. وما أضيق الحياة على من يحمل أثقال الإساءة في قلبه، وما أوسعها على من تعلّم فنّ التسامح والتجاوز. فدع ما يؤذيك يمضي، وامضِ أنت نحو ما ينفعك، فإن العمر أقصر من أن نهدره في مطاردة "عشر ثوانٍ" سرقت منا لحظة هدوء.

جنوبيات
أخبار مماثلة