24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حين تُغتال الأوطان بصمت"!
"حين تُغتال الأوطان بصمت"!
القاضي م جمال الحلو
2026-06-10
"حين تُغتال الأوطان بصمت"!

ليس ثمة مشهد أشدُّ قسوةً من أن يُدفَع شعبٌ بأكمله إلى ما دون خطِّ الفقر، وأن يُترك فريسةً للقهر والخذلان والاستبداد، وإهدار الحقوق، ونهب المال العام، فيما تتهاوى مقوّمات الحياة أمام أعين من يفترض بهم أن يكونوا حماة الوطن وخَدَمَ المصلحة العامة.

شعبٌ بأكمله يترنّح تحت وطأة الأزمات، فيما سلطةُ القهر والإذلال تراقب المشهد ببرودٍ مريب، وكأنّ ما يجري لا يعنيها. ومسؤولٌ لا يرفّ له جفن وهو يرى الناس يواجهون شبح الموت والجوع والحرمان في كلّ يوم، إنّما يتخلّى عن أبسط واجباته الإنسانية والأخلاقية قبل أن يتخلّى عن واجباته الوطنية.

إنّ ما يتعرّض له اللبنانيون ليس مجرّد أزمة عابرة، بل تدميرٌ ممنهجٌ يطال الإنسان في كرامته وأمنه ولقمة عيشه ومستقبله. وكأنّ إرادة بعض المتحكّمين بمصائر الناس قد استمرأت النكد والخراب، فلم تعد ترى في الوطن سوى ساحةٍ لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح، ولو كان الثمن انهيار شعبٍ بأسره.

نعم، إنّ الشعب اللبنانيّ المسكين يعيش حالةً أشبه بالإبادة البطيئة: شحٌّ في مقوّمات العيش الكريم، وتراجعٌ في الخدمات الأساسية، ومعاناةٌ في الاستشفاء والتعليم والأمن وفرص العمل، حتى باتت أبسط الحقوق أقرب إلى الأحلام منها إلى الواقع.

ومع ذلك كلّه، يُطلَب من هذا الشعب أن يصمد!

والأشدُّ غرابةً أنّ فئاتٍ لا تزال تُصرّ على تقليد الزعامات تقليدًا أعمى، وتُجاهر بولائها مهما بلغ حجم المعاناة، وكأنّ الولاء للأشخاص بات مقدّمًا على الولاء للوطن، تحت شعاراتٍ جوفاء لم تعد تقنع جائعًا، ولا تُضيء بيتًا، ولا تحفظ كرامة إنسان.

إنّها إبادةٌ تتغذّى من إحساس المتخاذل، وسكوت المتقاعس، وصمت القادر على الفعل حين يختار الوقوف على الحياد. فالأوطان لا تسقط بفعل الفاسدين وحدهم، بل تسقط أيضًا حين يعجز الشرفاء عن توحيد صوتهم في مواجهة الفساد.

وإذا بقينا أسرى الزعامات والمقامات والشعارات الرنّانة، نُخدِّر وعينا بالأوهام ونستبدل المواطنة بالتبعية، فسنظل ندور في الحلقة نفسها من البلاء والحرمان والانهيار، وسنبقى ندفع أثمان أخطاءٍ تتكرّر جيلاً بعد جيل.

إنّ الخلاص لا يبدأ بتبديل الشعارات، بل بتبديل الثقافة التي صنعتها؛ ولا يكون بانتظار منقذٍ فرد، بل ببناء دولةٍ تحترم القانون، وتُحاسب الفاسد، وتصون كرامة الإنسان. فالأوطان لا تُبنى بالولاءات الضيّقة، بل بالمواطنة الصادقة، ولا تنهض بالخطابات، بل بالعدالة والعمل والمسؤولية.

فإن لم نتعلّم من هذا الألم، ونحوّل المعاناة إلى وعيٍ وإرادة تغيير، فإنّ المأساة ستتكرّر بأسماء مختلفة ووجوه مختلفة، أمّا النتيجة فستبقى واحدة.

وعندئذٍ... لا يكون الخطر في فساد الساسة فحسب، بل في اعتياد الناس على الفساد حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي.

وعلى الدنيا السلام.

جنوبيات
أخبار مماثلة