24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الطرق التي ما زلنا نستطيع استعادتها
الطرق التي ما زلنا نستطيع استعادتها
د. مؤيد بدران
2026-06-12
الطرق التي ما زلنا نستطيع استعادتها

قبل سنوات، كانت العلاقات أبسط، والكلمات أصدق، والقلوب أقرب. لم تكن الحياة أسهل مما هي عليه اليوم، لكنها كانت أقل ضجيجاً وأكثر دفئاً. كنا نعرف الناس من مجالستهم، لا من صورهم، ونقيس المحبة بالأفعال، لا بعدد المتابعين والإعجابات.

اليوم أصبح العالم أكثر اتصالاً، لكنه في كثير من الأحيان أقل قرباً. نستطيع أن نتحدث مع شخص في أقصى الأرض خلال ثوانٍ، لكننا نعجز أحياناً عن الجلوس دقائق مع من يعيشون معنا تحت سقف واحد. نملك مئات الأسماء في هواتفنا، لكننا نفتقد ذلك الصديق الذي نستطيع أن نطرق بابه دون موعد أو تكلّف.

نركض كثيراً خلف أشياء نظن أنها ستمنحنا السعادة؛ مالاً أكثر، ومكانةً أعلى، ونجاحاً أكبر. وعندما نصل إلى بعضها، نكتشف أن ما كنا نبحث عنه كان أقرب إلينا مما تصورنا. كان في دعوة صادقة من أم، أو في جلسة عائلية هادئة، أو في ضحكة طفل، أو في صديق يشاركنا همومنا دون مصلحة أو انتظار مقابل.

التغيير ليس المشكلة، فالحياة كلها قائمة على التغيير. لكن المشكلة تبدأ عندما نسمح لهذا التغيير أن يسلب منا أجمل ما فينا؛ إنسانيتنا، وتعاطفنا، وقدرتنا على الإصغاء، والشعور بالآخرين.

وربما لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نستعيد الكثير مما فقدناه. أن نبطئ خطواتنا قليلاً، وأن نصغي أكثر مما نتحدث، وأن نمنح من نحب وقتاً حقيقياً لا مجرد حضور عابر.

ففي نهاية المطاف، لن نتذكر عدد الرسائل التي أرسلناها، ولا عدد الصور التي نشرناها، ولا حجم ما امتلكناه. سنتذكر الأشخاص الذين تركوا أثراً جميلاً في أرواحنا، واللحظات التي منحت حياتنا معنى، وجعلتنا نشعر أننا كنا أحياء بحق.

لقد اكتشفنا، وربما متأخرين، أن أجمل ما في الحياة لم يكن يوماً ما نملكه، بل من نحبهم، وكيف عشنا معهم، وماذا تركنا في قلوبهم بعد أن نمضي.

فالأعمار تُقاس بما نزرعه من أثر، لا بعدد السنوات التي نعبرها، والإنسان يبقى حاضراً في ذاكرة الآخرين بقدر ما منحهم من محبة وصدق ووفاء.

فما زالت أجمل الطرق هي تلك التي تقودنا إلى قلوب الناس، لا إلى وجهاتٍ على الخريطة، لأن الأماكن قد ننساها مع الزمن، أما الأثر الطيب الذي نتركه في نفوس الآخرين فيبقى حيّاً ما بقيت الذكريات.

أخبار مماثلة