يُروى في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، أنّ ملكًا يُدعى "فواخر سال فقرو" كان يحكم بلدًا يُسمّى "فقرستان". وكان هذا الملك قد ناهز التسعين عامًا، وأصيب بخللٍ في التفكير جعله دائم التقلّب وسريع الانفعال، فانعكس سوء مزاجه على أحوال الرعيّة التي راحت، شيئًا فشيئًا، تشكو الفاقة وتردّي الأوضاع وسوء العلاقة مع الجوار.
ولشدّة تشبّث الملك "فواخر" بآرائه الخنفشاريّة، انهارت مقوّمات الدولة على مختلف الصعد والمستويات، وتآكلت ركائزها الأساسية حتى باتت عاجزة عن النهوض بأعبائها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل كان للملك مستشار يُدعى "عواهر جال سهرو"، دأب على تأجيج نزعاته وتحريضه على شعبه، وحثّه على اتّخاذ قرارات ارتجاليّة أضرّت بمصالح البلاد الداخليّة والخارجيّة. بل إنّ هذا المستشار كان أشبه بالمنشار، على حدّ المثل الشعبي المصري: "طالع آكل، نازل آكل".
وبفعل تلك المشورات النرجسيّة والمقاربات العقيمة، انهار اقتصاد "فقرستان"، وضاقت سبل العيش بأهلها، واشتدّ الخناق على الناس، وانحسر منسوب الأخلاق، وتفشّت الرذيلة، واستشرى الفساد، وعمّت الفوضى أرجاء البلاد. ثم جاء الوباء، واكفهرّت السماء، حتى بلغ اليأس ببعض الناس حدّ تمنّي الموت في كلّ حين.
أمام هذا الواقع المرير، لجأ أهل "فقرستان" إلى حكيمٍ في بلدٍ مجاور يُدعى "دوائر فال قمرو"، طالبين منه المشورة والعون. وبعد أن استمع إلى شكواهم، قال كلمته الشهيرة:
«لا سبيل إلى تفادي التعتير إلا بالتغيير، فما أنحس من "فقرو" إلّا "سهرو"!».
ثم أضاف:
إنّ الأوطان لا تُبنى بالأهواء، ولا تُدار بالمكابرة والعناد، وإنّ الحاكم الذي لا يسمع أنين شعبه، والمستشار الذي يزيّن له أخطاءه، يشتركان معًا في جرّ البلاد إلى الهاوية. فصلاح الأحوال يبدأ حين ينتصر العقل على الغرور، والمصلحة العامة على المصالح الضيّقة، وحين يدرك أصحاب القرار أنّ كرامة الشعوب واستقرار الأوطان لا يكونان إلا بالحكمة والعدل وحسن التدبير.
وختم الحكيم قوله محذّرًا:
«إذا لم يُنجَز التغيير على وجه السرعة نحو الملاذ الآمن، ولم يتلقَّ الناس جرعةَ الإنقاذ اللازمة، فإنّ الشعب سينكسر ظهره، ولن ينفع الندم بعد فوات الأوان».
وقد أعذر من أنذر...