يُحكى في هذا الزمن المعاصر، حيث أصبح المواطن الخاسر الأكبر في حياته قبل مماته، أنّ رجلًا من «بلاد الواق واق» التقى رجلًا من «جمهورية كونكان الديمقراطية» في رحلة ترفيهية إلى بلاد ما بين الجبلين.
ولفت انتباه «الواق واقي» أنّ «الكونكاني» كان يأكل بذور التفاح من كيس صغير يحمله في يده، فاستغرب المشهد وسأله:
– ماذا تأكل أيها الرجل؟
أجاب الكونكاني:
– إنني آكل بذور التفاح.
فقال الواق واقي متعجبًا:
– وهل يُعقل هذا؟
أجاب الآخر بثقة:
– نعم، بل هو معقول جدًا! فبذور التفاح مليئة بالفوائد الغذائية، وهي تنشّط الجسم، وتقوّي الذاكرة، والأهم من ذلك أنها ترفع مستوى الذكاء!
فقال الواق واقي:
– إذًا أعطني بعضًا منها لأجرّبها، فلعلها تنعش ذاكرتي وتزيد من فطنتي.
فأجابه الكونكاني:
– لا مانع، ولكن عليك أن تدفع ثمنها بالدولار الأمريكي.
سأله:
– وكم الثمن؟
قال:
– خمسون دولارًا مقابل عشر حبّات فقط.
هتف الواق واقي:
– يا للهول! ما هذا الغلاء الفاحش؟
ثم ما لبث أن أخرج المال قائلًا:
– تفضّل، هذه الخمسون دولارًا، وأعطني الحبّات العشر.
أكل الواق واقي الحبّة الأولى فلم يستسغ طعمها، ثم أكل الثانية، وبعد الثالثة انتابه صمت عميق، قبل أن يصرخ في وجه الكونكاني:
– يا لغبائي! كيف اشتريت عشر حبّات من بذور التفاح بخمسين دولارًا؟! لقد كان بإمكاني أن أشتري بهذا المبلغ عشرات الكيلوغرامات من التفاح، وأحصل منها على كمّية هائلة من البذور!
عندها ارتسمت على وجه الكونكاني ابتسامة عريضة، وقال بصوت رنّان:
– أرأيت كيف أصبحت أكثر ذكاءً منذ الحبّة الثالثة؟! فكيف لو أتممت الحبّات العشر؟ عندها قد تحصل على الجنسية الكونكانية، وتصبح سياسيًا محترفًا من طراز ناهبي الشعوب، أولئك الذين يتقنون بيع الناس أوهامهم، ثم يقنعونهم بأنهم هم الرابحون!
وهكذا، ليست المشكلة دائمًا فيمن يبيع الوهم، بل فيمن يشتريه طوعًا، ثم يكتشف متأخرًا أن الثمن الذي دفعه كان أكبر بكثير من قيمة ما ناله. فالتجارب قد تصنع الحكمة، لكن بعض الدروس تكون باهظة الكلفة، ولا سيما حين يتحول الذكاء إلى سلعة، ويصبح الخداع مهنة، ويغدو التصفيق للناهبين فضيلة عند بعض السذّج. وعندها لا تعود بذور التفاح هي العبرة، بل البذور التي تُزرع في العقول حتى تُثمر استسلامًا للعبث، وتصديقًا للوهم، ورضًا بالاستغلال.