يُحكى في القرون الوسطى، وفي إحدى البلدات الفرنسية، أنّ نسوةً كنّ يحصلن على سمٍّ مُخفّف يضعنه في طعام الرجل في الصباح، ثم عند عودته مساءً، ومع بداية عتمة الليل، يُعطينه الترياق المضاد، فلا يعود للسمّ أيُّ تأثير عليه.
غير أنّه في حال لم يعد الرجل إلى البيت، أو بات في مكان آخر، يتأخّر حصوله على الترياق، فيُصاب عندئذٍ بصداعٍ وغثيانٍ وضيق في التنفّس وكآبةٍ وآلامٍ مبرّحة، وكلّما طالت فترة الغياب ازداد أثر ذلك السمّ في جسده ونفسيّته.
وعند عودته إلى المنزل، كانت زوجته تُسارع إلى إعطائه الترياق دون أن يدري، إمّا في طعامه وإمّا في شرابه، فتتحسّن حالته خلال دقائق معدودة.
وهكذا خُدع الرجل بهذه الحيلة، فظنّ أنّ البُعد عن بيته هو سبب علّته وأوجاعه، فازداد تعلّقًا بمنزله وزوجته، وارتبط وجدانه بالمكان الذي يظنّه ملاذًا من ألمه، لا يدري أنّ وراء ذلك ترتيبًا خفيًّا لمعادلةٍ نفسيةٍ مُحكمة.
لقد كان ذلك الترياق، ممزوجًا ببعض من الأخلاق والمقصد العاطفي، وسيلةً في نظر أولئك النسوة لحماية رابطة الزوجيّة، كما تصوّرنها، ولو بوسائل ملتوية في منطقها، لكنها محكومة بفكرة السيطرة لا بالوعي المتبادل.
أمّا اليوم، فقد تبدّلت المشاهد، وتبدّلت معها أدوات التأثير. إذ يواجه الإنسان المعاصر “سمومًا” من نوعٍ آخر، تتسرّب إلى تفاصيل حياته الاقتصادية والمعيشية والمعنوية، وتُقدَّم له أحيانًا في قوالب براقة تخفي في جوفها مرارة القهر والحرمان والقلق.
وما هو أشدّ إيلامًا من السمّ ذاته، أنّ الترياق غائب أو مُصادَر، فيبقى الإنسان عالقًا بين ألمٍ يتكرّر وغيابٍ لوسائل التخفيف والإنصاف، حتى يغدو الشعور بالاختناق جزءًا من يوميّاته لا استثناءً عابرًا.
غير أنّ هذه الصورة، مهما اشتدّت قتامة، لا تُلغي حقيقة ثابتة: أنّ الظلم لا يدوم، وأنّ وعي الإنسان يظلّ قادرًا على كسر الدائرة حين يدرك مصدر الألم الحقيقي، لا حين يكتفي بتفسيره الظاهري.
صفوة القول:
ليست القصة عن السمّ والترياق كما تبدو في ظاهرها، بل عن الإنسان حين يُخدع بتفسير الألم فيظنّ أن النجاة قريبة بينما السبب أعمق وأخفى. فالحياة لا تُقرأ بسطحها، والنجاة لا تكون بالاعتياد على الألم، بل بكشف جذوره. وحين يكتمل الوعي، يسقط الوهم، ويبدأ التغيير.