يُروى من حكايا الزمان أنّ ملكًا كان له وزير حصيف، يتبنّى فلسفةً خاصّة في الحياة تقوم على يقين راسخ بأنّ كلّ ما يقدّره الله خير، وكان يردّد دائمًا: «لعلّه خير».
وذات يوم خرج الملك في رحلة صيد برفقة وزيره، وحين حان وقت الغداء تناول تفّاحة وأخذ يقطّعها بسكّينه. وفجأة انزلقت السكّين من يده فأصابت إصبعه بجرح غائر.
فقال الوزير بهدوء:
ـ لعلّه خير.
فاستشاط الملك غضبًا وقال:
ـ وأيّ خير في ذلك أيّها الأحمق؟
ثم أمر بإلقاء الوزير في السجن. فما كان من الوزير إلا أن انحنى مطيعًا وقال:
ـ أمرك مطاع... ولعلّه خير.
وبعد فترة وجيزة خرج الملك إلى الصيد وحده، بعدما زُجّ بوزيره المقرّب في السجن. وبينما كان يطارد أرنبًا بريًّا، ابتعد عن مرافقيه حتّى وجد نفسه بين قوم يعبدون الأصنام، وكانوا يومئذٍ يستعدّون لتقديم قربان لآلهتهم.
ولمّا رأوا الملك قالوا:
ـ هذا رجل قويّ البنية، يصلح قربانًا للآلهة.
فأمسكوا به واقتادوه إلى المذبح. لكنّ الكاهن، وبعد أن تفحّصه، لاحظ الجرح العميق في إصبعه، فقال:
ـ هذا الرجل لا يصلح قربانًا، لأنّ فيه عيبًا.
فتركوه وشأنه.
انطلق الملك مسرعًا بعدما نجا من ميتة بشعة، وكان أوّل ما فعله عند عودته أن أمر بإطلاق سراح وزيره.
وقال له:
ـ لقد أدركت الآن أنّ جرح إصبعي كان خيرًا عظيمًا، فقد نجّاني الله بسببه من الموت. ولكن أخبرني: أيّ خير كان في سجنك؟
ابتسم الوزير وقال:
ـ خير وألف خير. فلو كنت برفقتك يومئذٍ لكنت أنا القربان الذي سيقدّمونه لآلهتهم، لأنّني سليم الجسد لا عيب فيّ. لذلك قلت منذ البداية: لعلّه خير.
وهكذا تعلّم الملك أنّ الإنسان لا يرى من الأقدار إلا ظاهرها، أمّا حكمتها الكاملة فتبقى في علم الله تعالى، الذي يدبّر الأمور بلطفه ورحمته، ويخبّئ الخير في ثنايا ما نظنّه شرًّا.
غير أنّ واقعنا اليوم يختلف عن تلك الحكاية؛ ففي وطننا الحزين لا يبدو أنّ ما يفعله كثير من السياسيّين بالشعب يمكن أن يُدرج في باب الخير، بعدما قدّموا الوطن وأهله قرابين لأهوائهم ومصالحهم ومشاريعهم المدمّرة، من غير أن يرفّ لهم جفن أو يرقّ لهم قلب.
إنّ الفرق كبير بين بلاءٍ يقدّره الله لحكمة ورحمة قد لا ندركهما فورًا، وبين معاناة يصنعها البشر بأيديهم حين يتخلّون عن ضمائرهم ومسؤوليّاتهم. فالأقدار الإلهيّة تحمل في طيّاتها الخير وإن خفي، أمّا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان فلا يُنتج إلا الخراب والألم.
ولعلّ العبرة الأبلغ من هذه الحكاية أنّ الإيمان لا يعفينا من مقاومة الظلم، ولا يدعونا إلى الاستسلام للفساد، بل يعلّمنا أن نثق بالله في ما لا نملك، وأن نعمل بصدق وشجاعة لإصلاح ما نستطيع إصلاحه. فبين «لعلّه خير» التي تنبع من حسن الظنّ بالله، وبين الصمت على الظلم باسم القدر، مسافة واسعة لا يدركها إلا أصحاب البصائر.