يُروى أنّ امرأةً جاءت في سالف الأيّام إلى أحد الفقهاء تعرض عليه مسألةً تخصّها، فقالت:
«يا سيّدي الفاضل، لقد مات أخي وترك ستمائة درهم، وعندما قُسِّم الميراث لم أحظَ سوى بدرهمٍ واحد أعطوني إيّاه بصفتي وارثةً لأخي، فهل هذا عدل؟»
صمت الفقيه هنيهةً يتأمّل المسألة، ثمّ قال لها:
«لعلّ لأخيك زوجةً وأمًّا وابنتين واثني عشر أخًا، وأنتِ أخته.»
فبدت الدهشة على وجه المرأة وقالت:
«نعم، الأمر كذلك.»
فقال الفقيه:
«إذًا فهذا الدرهم حقّك، ولم يظلمك أحد.»
ثمّ أوضح لها الأمر قائلًا:
«إنّ لزوجة أخيك ثمن التركة، وهو خمسة وسبعون درهمًا، ولابنتيه الثلثان، أي أربعمائة درهم، ولأمّه السدس، وهو مائة درهم. فيبقى خمسة وعشرون درهمًا تُوزَّع على إخوته الاثني عشر وأخته، ووفقًا للقاعدة الشرعيّة: للذكر مثل حظّ الأنثيين، فيأخذ كلّ أخٍ درهمين، ويبقى للأخت ــ وهي أنتِ ــ درهمٌ واحد.»
عندئذٍ اقتنعت المرأة بنصيبها من الإرث كما قضت به أحكام الشريعة.
إنّها مسألة إرثيّة تحكمها قواعد ربّانيّة دقيقة، وُضعت لتوزيع الحقوق وفق أصولٍ واضحة لا مجال فيها للهوى أو المزاج أو التقدير الشخصي.
أمّا في لبناننا الحزين، فإنّ الشعب المسكين لا يرث إلّا المآسي كلّما تبدّل السياسيّ وجاء شبيهه أو نظيره. فلا قواعد تُصان، ولا تدابير حماية تؤتي ثمارها، ولا حقوق تُحفظ كما ينبغي. ويظلّ المواطن ينتظر عدالةً غابت، وإصلاحًا طال غيابه، وليس له في كثيرٍ من الأحيان سوى ربٍّ يرجوه ويستعين به.
ولعلّ الفرق بين ميراثٍ تحكمه القواعد ومصيرٍ تحكمه الأهواء، أنّ الأوّل يُرضي الناس ولو قلّ نصيبهم، لأنّ العدل فيه ظاهرٌ ومفهوم، أمّا الثاني فيُثقل القلوب ولو كثرت الوعود، لأنّ الظلم يُفسد كلّ شيء. وما أحوج الأوطان إلى ميزانٍ لا يميل، وإلى رجال دولةٍ يجعلون العدالة حقًّا يُمارس لا شعارًا يُرفع، فبالعدل تستقيم الحياة، وتطمئنّ النفوس، ويأمن الناس على حاضرهم ومستقبل أبنائهم.