استوقفتني الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ولم يستوقفني العسر فيها، فالعسر نعرفه جميعاً. نعرفه عندما نخسر، وعندما نفشل، وعندما تغلق الأبواب في وجوهنا، وعندما تتأخر الأحلام عن موعدها.
ما استوقفني حقاً هو اليسر.
إذا كان اليسر موجوداً مع العسر، فلماذا لا نراه؟
أعتقد أن أكبر خدعة يمارسها العسر على الإنسان أنه يقنعه بأنه كل الحقيقة. عندما تشتد الأزمة، تضيق زاوية الرؤية حتى لا نكاد نرى سوى المشكلة نفسها. تصبح الخسارة أكبر من حجمها الحقيقي، ويصبح الألم وكأنه المشهد الكامل، بينما تغيب عنا بقية التفاصيل.
في لحظات العسر، لا يرى الإنسان إلا ما فقده، ونادراً ما ينتبه إلى ما بقي معه. ينشغل بالباب الذي أغلق، ولا يلتفت إلى الأبواب الأخرى التي ما زالت مفتوحة. يركز على ما انتهى، وينسى ما يمكن أن يبدأ.
ولهذا، فإن كثيراً من الناس لا يكتشفون اليسر إلا بعد سنوات. ينظرون إلى محطة ظنوا أنها الأسوأ في حياتهم، فإذا بها كانت نقطة التحول الأهم. ويستعيدون حدثاً اعتبروه خسارة قاسية، ليكتشفوا أنه كان بداية طريق لم يكونوا ليصلوا إليه لولا تلك الخسارة.
ولعل الفرق بين الناس ليس في حجم ما يواجهونه من عسر، بل في قدرتهم على رؤية ما وراءه. فهناك من يرى الأزمة جداراً ينتهي عنده الطريق، وهناك من يراها منعطفاً يقوده إلى طريق آخر.
ولا يعني ذلك التقليل من قسوة المعاناة أو تجاهل الألم. فالعسر عسر، والشدائد تثقل القلوب وتستنزف الأرواح. لكن المشكلة تبدأ عندما نسمح للعسر أن يحتكر المشهد كله، وأن يقنعنا بأنه الحقيقة الوحيدة الموجودة.
التاريخ الشخصي لكل واحد منا مليء بأحداث تمنينا لو أنها لم تقع، ثم أدركنا لاحقاً أنها كانت تحمل في داخلها خيراً لم نكن نراه. وكأن الحياة تؤكد لنا مراراً أن الصورة الكاملة لا تظهر في لحظة واحدة، وأن بعض المعاني لا تُفهم إلا بعد عبور التجربة.
لهذا ربما لا يكون السؤال الأهم عند وقوع الشدة: متى ينتهي العسر؟ بل: ما اليسر الذي لم أره بعد؟
ففي كثير من الأحيان، لا يكون اليسر غائباً عنا، بل تكون أبصارنا هي التي لم تصل إليه.