في ليلةٍ شتويةٍ هادئة، كان الحاج محمود يجلس وحيدًا قرب نافذته الخشبية القديمة، يحدّق في الطريق الذي حفظ ملامحه كما حفظت روحه تفاصيل الغياب. كان قد تجاوز السبعين من عمره، وصارت أيامه تتشابه كصفحات كتابٍ عتيقٍ أعاد قراءته مرارًا، لا لشيءٍ سوى أنّ بين سطوره حكايةً لم تكتمل.
كان ينتظر شيئًا لا يعرف اسمه، أو لعلّه كان ينتظر شخصًا حمله قلبه طوال السنين، رغم أن الزمن حاول أن يطمس أثره.
قبل ثلاثين عامًا، غادر ابنه الوحيد سامي إلى بلادٍ بعيدة، يحمل حلمًا صغيرًا بمستقبلٍ أفضل، تاركًا خلفه أبًا يعلّق على عودته كل ما تبقّى له من فرح. في البداية كانت الرسائل تصل تباعًا، تحمل أخبارًا وطمأنينة، ثم بدأت المسافات تكبر، وتباعدت الكلمات، حتى انقطع الصوت تمامًا.
ومع ذلك، لم يسمح الحاج محمود لليأس أن يسكن قلبه. كان يخفي وجعه خلف ابتسامةٍ هادئة اعتاد أهل القرية أن يروها على وجهه، وكأنّه كان يحرس بصمته وعدًا قديمًا بأن الغائب سيعود يومًا.
وفي تلك الليلة، بينما كانت الرياح تعزف بين أغصان الأشجار، ويمتزج صوتها بصمت المكان، سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
انتفض قلبه قبل أن تتحرك قدماه. نهض متكئًا على عصاه، واتجه ببطء نحو الباب، كأنّ في داخله إحساسًا غامضًا بأن وراءه خبرًا انتظرته روحه طويلًا.
فتح الباب.
كان أمامه رجلٌ في منتصف العمر، يحمل حقيبةً صغيرة، وتلمع في عينيه دموعٌ أخفتها سنوات الغياب.
تلاقى البصران.
ثوانٍ قليلة مرّت، لكنها كانت أثقل من ثلاثين عامًا من الانتظار.
ثم قال الرجل بصوتٍ مرتجف:
"أبي... عدت."
سقطت العصا من يد الحاج محمود، وكأنّها لم تعد تحمل ثقل جسده، بل ثقل السنين التي عاشها وحيدًا. ارتجف قلبه قبل شفتيه، ومدّ ذراعيه إلى ابنه يحتضنه بقوة، كأنّه يخشى أن يكون هذا اللقاء حلمًا آخر سرعان ما يختفي.
لم تكن هناك حاجة إلى كثيرٍ من الكلام؛ فقد قالت الدموع ما عجزت عنه الحروف، وحكت العيون قصة فراقٍ طويل انتهى بلحظة لقاء.
في اليوم التالي، انتشر الخبر في أرجاء القرية. عاد الابن الذي ظنّه الجميع غائبًا إلى الأبد، وعاد معه النبض إلى بيتٍ خفت فيه صوت الفرح، فعاد الضوء إلى زواياه كما يعود الربيع إلى أرضٍ انتظرت المطر.
وحين سأله أحد الجيران عن أجمل لحظةٍ عاشها في حياته، نظر الحاج محمود إلى ابنه الجالس بقربه، وابتسم ابتسامةً حملت كل معاني الرضا، وقال:
"ليس أجمل من انتظارٍ طال، ثم جاء يومٌ تحوّل فيه الصبر إلى فرح، والدعاء إلى حقيقة. فبعض الأبواب لا تُفتح إلا في الموعد الذي كُتب لها، وحين تُفتح لا يدخل منها القادمون وحدهم، بل يدخل معها النور إلى القلوب قبل البيوت."