خيّم جو من الضبابية على المشهد السياسي الميداني مؤخراً، ما فرض عودة سريعة للواقعية السياسية، رغم اعتراضات بعض البلديات التي انتقدت حالة التريّث السائدة. وتكمن هذه "الضبابية" في التباينات المفاجئة في المواقف بين تل أبيب وواشنطن، مما جعل العودة إلى المسارات التفاوضية محفوفة بالحذر. وبينما يبدي أهالي الجنوب تفاؤلاً مشوباً بالحذر بعد طول انتظار، تظل السياسة متقلبة، لا سيما في ظل التساؤلات المشروعة حول المسارات السياسية والأمنية التي ستسلكها المنطقة.
العقيدة الثابتة ورهانات نتنياهو
لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتمسك بحلمه التاريخي المتمثل في "مشروع إسرائيل الكبرى"، وهو المشروع الذي يدفعه إلى افتعال الأزمات وتوسيع رقعة النزاعات العشوائية. وفي المقابل، يبرز الحضور الأمريكي عبر شخصية دونالد ترامب، الذي صعد إلى سدة الحكم بمسيرة اقتصادية لافتة، لكن برؤية سياسية تهيمن عليها "العقيدة الصهيونية". ورغم احتمالية حدوث تباينات طفيفة — كما شهد التاريخ مع رؤساء سابقين كجون كينيدي — إلا أن تأثير اللوبي الصهيوني يظل ثابتاً وراسخاً في مفاصل القرار الأمريكي، وكأن هذه العقيدة نقشٌ أبدي على جدران البيت الأبيض منذ عهد ديفيد بن غوريون. وضمن هذا السياق، يبدو المشهد المرتقب تبادل الأدوار، حيث سيعانق ترامب نتنياهو مع رسالة مفادها: "هذه فرصتكم الأخيرة".
إسرائيل: منطق "وزارة الحرب" ونهج المراوغة
تنفرد إسرائيل في الشرق الأوسط بامتلاكها "وزارة للحرب" بدلاً من وزارة للدفاع، مدعومة بجهازي استخبارات فاعلين: "الموساد" للعمليات الخارجية، و"الشاباك" (السافاك سابقاً في التداول الإعلامي) للعمليات الداخلية. هذه الهيكلية تعكس طبيعة كيانية لا تلتزم بشرائع حقوق الإنسان أو المواثيق الدولية.
إن التاريخ يقدم لنا دروساً بليغة في هذا الصدد؛ ففي عهد مناحيم بيغن، قُطعت الوعود للرئيس المصري أنور السادات، لكن ما إن استتب الأمر حتى انقلبت الطاولة. ومن هنا، يترسخ القناعة بأن الثقة بإسرائيل ضرب من المستحيل. إن سياستها القائمة على "المماطلة" أو "الانسحاب التكتيكي البطيء" ليست سوى وسيلة لترميم الثغرات العسكرية والسياسية، تمهيداً للانقضاض مجدداً بطريقة همجية.
خلاصة المشهد: أزمة هوية أم عدوانية وجودية؟
في المحصلة، تبدو إسرائيل اليوم بؤرة للأزمات السياسية، مركزةً جهودها التدميرية على الجبهة اللبنانية. وتتأرجح مواقفها بين الإقدام والإحجام، مستحضرين جدلية شكسبير "أكون أو لا أكون" ولكن بنسخة سياسية دموية. إن النظرة الإسرائيلية المتعالية تجاه لبنان ككيان "دمية" تفتح الباب أمام تساؤلات وجودية وأخلاقية عميقة: أي منطق إنساني أو ديني يسمح بتبني مفهوم "شعب الله المختار" لتبرير دمار العالم؟
إن السؤال اليوم ليس فقط عن احتمالات الحرب، بل عن ماهية القوى التي ستضع حداً لهذا المسار الذي لا يرى في الآخر إلا هدفاً مشروعاً للعدوان.