24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ظلُّ الشجرة العتيقة"!
"ظلُّ الشجرة العتيقة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-03
"ظلُّ الشجرة العتيقة"!

في طرف القرية، انتصبت شجرةُ زيتونٍ عتيقةٌ، جاوز عمرها مئات السنين، وبسطت ظلالها الوارفة على أجيالٍ تعاقبت تحت أغصانها. وكان أهل القرية يقصدونها في أيام الصيف اللاهبة، يستظلون بفيئها ويستريحون في رحابها، غير أن أحدًا لم يكن يدرك سرَّ التعلُّق العجيب الذي ربط الطفل سامر بها.

كان سامر يزورها كل مساء بعد عودته من المدرسة، فيجلس إلى جذعها العريض، ويحدِّثها عن يومه، وأحلامه الصغيرة، وأصدقائه، ودروسه، وعن أمنيته بأن يصبح طبيبًا حين يكبر. ولم يكن ينتظر منها جوابًا، لكنه كان يشعر بسكينةٍ عميقةٍ تغمر قلبه كلما آوى إلى ظلها الوادع.

وفي أحد الأعوام، ضرب الجفاف المنطقة، وأخذت الأشجار تذبل واحدةً تلو أخرى. فساور سامر خوفٌ شديد على شجرته المحببة، وأخذ يحمل إليها دلوًا من الماء كل يوم، رغم بُعد المسافة ووعورة الطريق. وسخر منه بعض الأطفال، لكنه لم يلتفت إلى سخريتهم، ومضى يرعاها بإخلاصٍ وصبرٍ ومحبة.

ومرت الشهور، حتى أقبلت الأمطار أخيرًا، فعادت الحياة تدب في أوصال الأرض، واستردت الشجرة خضرتها، واكتست أغصانها بالأوراق والثمار، وأعطت محصولًا وفيرًا لم تشهده منذ أعوام طويلة.

عندئذٍ جمع مختار القرية أهلها وقال: «لقد بقيت هذه الشجرة حيَّةً بفضل من لم يتخلَّ عنها في زمن الشدة». ثم أشار إلى سامر، فاحمرَّ وجهه خجلًا، وانحنى رأسه تواضعًا.

صفق أهل القرية جميعًا لذلك الطفل، وأدركوا أن العطاء لا يُقاس بعِظَم الجهد وحده، بل بصدق النية، ونقاء القلب، والإخلاص في العمل. أما سامر، فابتسم وهو يتأمل شجرته العتيقة، وشعر لأول مرة أنها قد أجابته عن أحاديثه الطويلة... ولكن بلغتها الخاصة.

صفوة القول:

من يغرس بذور الخير في أوقات الشدة، يحصد ثمارها في مواسم الفرج؛ فالإخلاص لا يضيع، والوفاء لا يخيب، والخير يعود إلى صاحبه ولو بعد حين.

 

أخبار مماثلة