27 محرم 1448

الموافق

الإثنين 13-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم متى أصبحت الحياة سباقًا؟
متى أصبحت الحياة سباقًا؟
د. مؤيد بدران
2026-07-13
متى أصبحت الحياة سباقًا؟

 

لا أذكر أن الحياة كانت بهذا القدر من الاستعجال.

كان الناس ينتظرون الأشياء الجميلة بصبر، ويحتفلون بالإنجاز مهما كان صغيرًا. أما اليوم، فقد أصبحنا نعيش وكأن هناك صافرة انطلقت في بداية العمر، ومن يتأخر خطوة واحدة يشعر أنه خسر السباق.

نستيقظ فنقارن حياتنا بحياة الآخرين. ننظر إلى صورهم، إلى سياراتهم، إلى بيوتهم، إلى أسفارهم، إلى نجاحاتهم التي يعرضونها بعناية، وننسى أن ما نراه ليس الحياة كلها، بل جزءًا صغيرًا منها.

أصبحنا نسأل: من سبق؟ ومن حقق أكثر؟ ومن جمع مالًا أكثر؟ ومن اشترى بيتًا أولًا؟ ومن وصل إلى المنصب قبل غيره؟

ونادرًا ما نسأل: هل نحن سعداء؟

لقد أقنعتنا الحياة الحديثة أن السرعة تعني النجاح، وأن التأخر يعني الفشل، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. فكم من إنسان وصل مبكرًا، لكنه لم يجد السعادة، وكم من آخر تأخر كثيرًا، ثم وجد ما يستحق الانتظار.

ليست المشكلة في الطموح، فالطموح جميل، وإنما في أن يتحول إلى سباق لا نهاية له. عندها نفقد متعة الطريق، وننسى أن نلتفت إلى من يحبوننا، وأن نستمتع بفنجان قهوة، أو جلسة مع الأهل، أو لحظة هدوء مع أنفسنا.

الغريب أننا أصبحنا نركض طوال الوقت، لكن كثيرًا منا لا يعرف إلى أين.

الحياة ليست مضمارًا يمنح ميدالية لمن يصل أولًا، بل رحلة مختلفة لكل إنسان. لكل واحد منا توقيته، وظروفه، وأقداره، وما يصلح لغيرك قد لا يصلح لك.

وربما يكون أجمل إنجاز يحققه الإنسان، ألا يسمح لأحد أن يسرق منه سلامه الداخلي وهو يطارده باسم النجاح.

في النهاية، لن يسألنا العمر: كم شخصًا سبقتم؟ بل سيسألنا سؤالًا واحدًا:

هل عشت حياتك… أم قضيتها تركض خلف حياة الآخرين؟

أخبار مماثلة