27 محرم 1448

الموافق

الإثنين 13-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة آلة الرئاسة سعة الصدر
آلة الرئاسة سعة الصدر
غازي العريضي
2026-07-13
آلة الرئاسة سعة الصدر

 

ليس سراً القول إنه قبل ذهاب الوفد اللبناني إلى جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن بـِ "رعاية" أميركية، جرت اتصالات مع معنيين لبنانيين تطلب عدم الإصرار على كلمة "انسحاب" في النقاش وتجنّب الإشارة إلى "الخطر المحدق" الذي تتذرع به إسرائيل تحت عنوان حق الدفاع عن نفسها ورفض تقييد حرية حركتها على الأرض اللبنانية. وهذان الأمران كانا سببين أساسيين من ضمن جملة أسباب أدت إلى تعقّد المفاوضات وتمديدها إلى أن انتهت بإعلان "اتفاق الإطار" الذي فاجأ كثيرين ولاقى موجة كبيرة من الانتقادات اختلطت فيها الحسابات والقراءات تماماً مثل موجة المؤيدين. 

 

الوضع الداخلي اللبناني ليس مريحاً. حالة الانقسام كبيرة. عميقة. خطيرة. وأي تبسيط لأسبابها وتشخيصها والتعامل معها على أساس "أن الخارج يعالج كل شيء" يؤدي إلى نتائج سلبية كارثية فضلاً عن أنه يتناقض مع "النغمة" التي تتكرّر يومياً "لبنان يقرّر عن نفسه"، "ولا نقبل التدخل بشؤوننا الداخلية"، ولبنان بلد لا سرّ فيه، "مشاع" مفتوح لكل أنواع التدخلات وتسريب المعلومات. حصل ما حصل. ونحن أمام استحقاقين: الأول اجتماعات روما والثاني الأهم بعدها، اللقاء الموعود بين الرئيسين جوزف عون وترامب في البيت الأبيض في واشنطن. الرئيس الأميركي أطلق أكثر من تصريح مؤكداً "إسرائيل ستنسحب من لبنان". وزير الدفاع الإسرائيلي أجاب بوضوح: "لم نطلب إذناً للدخول ولا نطلب إذناً من أحد للبقاء"! ويستمر جيش الاحتلال بممارسة قتل اللبنانيين المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بأي عمل يناقض "اتفاق الإطار"، رغم الاعتراضات على كثير من بنوده. ثمة استباحة إسرائيلية كاملة: تدمير. تفجير. إصرار على التهجير. قتل. سياسة الأرض المحروقة غير القابلة للسكن تنفذ في كل مكان. حرية حركة إسرائيلية لا حدود لها. ولا أحد يردع نتنياهو والمسؤولين الإسرائيليين عن قول أي شيء والتهديد بفعل أي شيء وتنفيذ أي شيء.

 

إضافة إلى ذلك، لم يخف المحتلون نياتهم تجاه استهدافهم كل الجنوبيين واللبنانيين ومستقبل البلد ومحاولات اللعب على وتر الخلافات أو الانقسامات الطائفية والمذهبية. ذهب نتنياهو إلى الزعم بأن قرى مسيحية في الجنوب طلبت الانضمام إلى الدولة الإسرائيلية! ردّ رؤساء البلديات في القرى المقصودة بالنفي. أصدروا بيانات واضحة. الأهالي يتمسكون بأرضهم وتاريخهم وهويتهم وانتمائهم إلى الدولة اللبنانية وهي المسؤولة عنهم. وإذا كانت لديهم مواقف مما يجري فقد عبّروا عنها بشجاعة، وكان تضامن وطني واسع معهم، ولم يفكروا لحظة ولم يعلنوا بالتأكيد أي رغبة بالانفصال. لاقاهم بذلك موقف مؤيد من رؤساء بلديات في قرى مجاورة، ينتمي أبناؤها إلى بيئات أخرى تؤكد التمسك بوحدة الأرض والانتماء والشراكة والالتفاف حول الدولة اللبنانية بمؤسساتها كافة وعلى رأسها الجيش اللبناني. 

لم يكن الموقف الإسرائيلي مفاجئاً. هذه سياسة تقليدية وخبرة وحرفة أدركنا مخاطرها منذ عقود من الزمن وتعاملنا معها ولا نزال، من دون أن ننسى ونذهب إلى التذكير الدائم بما يعلنه الإسرائيليون من نيّات وأهداف تغلّف أطماعهم بالأرض اللبنانية ومناطق في دول عربية أخرى من خلال "رواية دينية" و"إيمان بوعد إلهي" يعطيهم الحق بالاستيلاء عليها. ولذا، الخطر لا يستهدف لبنان وحده إنما وبما هو معلن، يستهدف كل دول المنطقة لإقامة "الشرق الأوسط الجديد"، الذي يجاهر به نتنياهو ويهدّد بعدم وقف الحرب حتى تنفيذه. 

انطلاقاً من هذه الوقائع يجب التعامل مع إسرائيل ومع "اتفاق الإطار" ومع المفاوضات القريبة في روما، ومع اللقاء المنتظر بين الرئيسين عون وترامب وتسجيل الملاحظات التالية: 

 

1 – ضرورة استيعاب الاعتراضات على اتفاق الإطار بسعة الصدر وروح المسؤولية الوطنية تأكيداً لحق أي مواطن وطرف إبداء رأيه في أي أمر، فكيف بمسألة مصيرية كالتي نواجه وحرصاً على وحدة البلد وأبنائه؟ ورئيس الجمهورية المؤتمن على ذلك، والمسؤول الأول دستورياً عن المفاوضات معني بهذا الأمر وقادر وله مصلحة كبرى بالاستيعاب بل أكثر بالاستفادة من مواقف وطنية صادقة حريصة صدرت عن مواقع أيدته في التفاوض كخيار ورفضت تخوينه واتهامه، وهو لم يُعطَ حتى الآن أي شيء ولم يلبّ له أي طلب محق ومشروع وهذا مصدر قلق كبير لدى فئات واسعة من اللبنانيين إذا استمر تعامل "رعاة" الاتفاق هكذا، واندفاع آخرين معهم بالضغط على لبنان وهم لا يقومون بأي دور ضاغط فاعل مؤثر على إسرائيل، ويحاول بعضهم تقديم كل شيء لها وتحميل لبنان ومؤسساته "وزر" المواجهة والمسؤولية اللتين فشل الجميع فيهما حتى الآن. 

 

2 – في هذا السياق يجب التأكيد أن التعميم في إطلاق الاتهامات والإدانات لمواقف المعترضين خاطئ وخطير ولا يساعد على الاستفادة المذكورة أعلاه والمعالجات العقلانية الحكيمة الواقعية للأمور. ليس ثمة اصطفافات سياسية وجبهات وتحالفات في البلاد كما كانت في الماضي. ربما ثمة تلاق حول قراءات وتقييمات لبنود الاتفاق الإطار، خرج بعض المسؤولين وبعد التوقيع عليه إلى الاعتراف بها مقدمين أعذاراً وتبريرات لم تكن مقنعة وحيث أصابوا وجهت إليهم أسئلة: "إذا كان هذا موقفكم الأكيد وتفسيركم بنود الاتفاق لماذا لم يدرج بوضوح في متنه؟"، ولا أجوبة حتى الآن بالتأكيد. 

 

3 – ثمة كثيرون انبروا لتأييد الرئيس في خطوته وهم هاجموه وانتقدوه ولم يكونوا يريدون رؤيته أصلاً في بعبدا في موقعه الحالي، وبعض هؤلاء –من دون تعميم– مع غيرهم في السلطة يتلطون خلفه ويقولون ذلك في مجالسهم، ويحاولون الاستفادة مما جرى لتصفية حسابات وتحقيق آمال، حتى ولو أدت ممارساتهم ومواقفهم وتحليلات تمنياتهم إلى مزيد من الانقسام وانكشاف البلد واستمرار الاحتلال. الاستفادة من بعض المواقف والمواقع التي صدرت منها وأشرت إليها يسقط مثل هذه الاستفادة. 

 

4 – إضافة إلى المواقف الاعتراضية فإن ما تقوم به إسرائيل، وما حذّر منه رئيس الجمهورية نفسه أكثر من مرة لناحية مسؤولية استمرار الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه المفتوح، قتلاً وتدميراً واستهدافاً للمدنيين وتهديداً وترهيباً ورفضاً لوقف إطلاق النار، يعيق تنفيذ أي خطوة عملية جدية على الأرض لتنفيذ قرارات الحكومة، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وهذا ما أكدته قيادة الجيش في كل مواقفها وتقاريرها المقدمة إلى مجلس الوزراء وعلى طاولة التفاوض، وما كرّره ويكرّره دائماً رئيس المجلس النيابي صاحب الدور الأساس في المعالجة. 

كل هذا ينبغي أن يكون في جعبة الرئيس عون في لقائه مع نظيره الأميركي بملف متكامل وهو يتحدث عن حق لبنان إلى جانب التزاماته بدعمه بالتزامات مقابلة وخطوات واضحة في الضغط على إسرائيل لإلزامها بوقف إطلاق النار وجدولة انسحابها وإعادة النازحين إلى ديارهم. فيعود الرئيس محصناً بشيء ما على الأقل بعد كل الذي جرى، يرافق ذلك شكوك كثيرة، بل تشاؤم كبير نظراً للتجارب السابقة مع إسرائيل وما تعلنه من مواقف ولقدرتها في اللعبة الكبرى على التحايل والالتفاف ولتشابك الحسابات الداخلية الانتخابية في واشنطن وتل أبيب وفي الجوار المحيط بنا أيضاً، وفي اللعبة المفتوحة على مساحة المنطقة كلها، والحرب مع إيران لم تنته بعد بل نشهد فصولاً متقطعة منها قد تتطور، والحسابات الإسرائيلية التركية والتهديدات المتبادلة، وتأثيراتها على سوريا ولبنان، وتكرار حديث الرئيس الأميركي عن تدخّل سوري في بلادنا، كل هذا ألغام خطيرة قد تنفجر في وجهنا في أي لحظة، ووحدتنا الوطنية هي ضمانتنا والعنصر الأبرز المساعد بل الضمانة للدولة ومسؤوليها في مسار حركتهم وتعاملهم على أرض الواقع بحسن التقدير والتدبير ودقة الحساب والتهيّب والاستفادة من أصحاب أهل الخبرة والتجربة الصادقين. 

قال الإمام علي: "آلة الرئاسة سعة الصدر". 

المدن
أخبار مماثلة