1 صفر 1448

الموافق

الجمعة 17-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"بركة الصدق"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-17
"بركة الصدق"!

ليس في حياة الإنسان خُلُقٌ أرفع شأنًا، ولا أثرٌ أعظم من الصدق؛ فهو أساس الفضائل، وعنوان المروءة، ومفتاح البركة، وسبيل النجاة في الدنيا والآخرة. وما ازدهرت النفوس إلا حين صدقت مع ربها، وما علت الهمم إلا حين جعلت الصدق دستورًا لا تحيد عنه، مهما اشتدت المحن وتعاظمت الفتن. ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما يُروى عن الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله، حين خرج من مكة إلى بغداد يحدوه الشوق إلى طلب العلم، ولم يكن يحمل من زاد الدنيا إلا أربعين دينارًا دفعتها إليه أمه، غير أنها زوّدته بما هو أثمن من المال وأبقى أثرًا، إذ أوصته ألا يفارق الصدق في قول ولا فعل، وأخذت عليه عهدًا أن يبقى وفيًا لهذه الوصية ما دام حيًا.

ومضى الفتى في رحلته حتى بلغ أرض همدان، فإذا بعصابة من قطاع الطريق تهاجم القافلة وتسلب الناس أموالهم ومتاعهم. ومرّ به أحد اللصوص فسأله عما يملك، فأجابه بكل طمأنينة: «معي أربعون دينارًا». فحسب الرجل أنه يهزأ به، ومضى عنه غير مكترث. ثم جاء آخر فسأله السؤال نفسه، فأعاد الجواب نفسه من غير تردد ولا خوف، فأخذه إلى كبير القوم. ولما وقف بين يديه سأله: «أما تخشى أن نسلبك مالك؟ وما الذي حملك على أن تصدق؟» فأجاب بكلمات خرجت من قلب تربّى على الوفاء قبل أن يتربى على طلب العلم: «إن أمي عاهدتني على الصدق، وأخاف أن أخون عهدها». وما إن سمع أمير اللصوص هذه الكلمات حتى ارتجف قلبه، وانهمرت دموعه، وقال بحرقة: «هذا غلام يخشى أن يخون عهد أمه، وأنا لا أخشى أن أخون عهد الله!» ثم أعلن توبته، وأمر برد جميع الأموال إلى أصحابها، فكانت توبته سببًا في توبة من معه، فتحول أولئك الذين عاشوا على سلب الناس إلى قومٍ رجعوا إلى ربهم ببركة كلمة صادقة خرجت من قلب صادق.

وهكذا تكشف هذه القصة أن الصدق ليس خُلُقًا فرديًا فحسب، بل قوة أخلاقية قادرة على تغيير النفوس وصناعة التاريخ. فالفتى لم ينتصر بقوة سلاح، ولا ببلاغة خطاب، وإنما انتصر بثباته على المبدأ، فكان صدقه أبلغ من كل موعظة، وأشد وقعًا من كل عقوبة. كما تُبرز القصة عظمة التربية الصالحة، وأن الأم الواعية قد تغرس في قلب ولدها قيمةً واحدة تكون سببًا في صلاحه وصلاح غيره، وأن الأخلاق التي تُزرع في الصغر تُثمر مواقف خالدة في الكبر.

إن أعظم ما نتعلمه من هذه الحادثة أن الصدق لا يضيع صاحبه أبدًا، وإن بدا في ظاهره أنه يعرضه للخطر، لأن الله يجعل فيه بركةً لا تُقاس بالمكاسب المادية. فالمال قد يفنى، أما الكلمة الصادقة فتبقى نورًا يهدي القلوب، ويوقظ الضمائر، ويصنع من المواقف العادية صفحاتٍ خالدة في سجل العظماء. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى رجال ونساء يصدقون في أقوالهم وأعمالهم، ويجعلون الوفاء بالعهد منهجًا لا يتغير، حتى تعود الثقة بين الناس، وتُبنى الحضارات على أساس من الأمانة والإخلاص.

لقد خرج عبد القادر الجيلاني يطلب العلم، فعاد التاريخ يذكره لأنه حمل معه خلق الصدق قبل أن يحمل الكتب، وأثبت أن الأخلاق هي أعظم ميراث يتركه الإنسان، وأن كلمة صادقة قد تهدي قلبًا، وقلبًا مهتديًا قد يصلح أمة بأسرها، وتلك هي بركة الصدق التي لا تنقطع آثارها، ولا يبهت نورها على مر الزمان.

القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة