لا تبدو زيارة الرئيس عون إلى واشنطن في 21 تموز مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، ولا يصح اختصارها في إطار العلاقات الثنائية بين لبنان والولايات المتحدة. فاللقاء ينعقد في توقيت بالغ الدقة، في ظل اتفاق إطار رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، يربط تثبيت وقف الحرب بمسار الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية. يقول ثوسيديدس في كتابه «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» «الأقوياء يفعلون ما تسمح لهم قوتهم، والضعفاء يقبلون ما تفرضه عليهم الضرورة»؛ من هنا، لا يكمن السؤال الأساسي فيما سيقال أمام الكاميرات في المكتب البيضاوي، بل في ما يمكن لرئيس الجمهورية أن يعود به إلى بيروت، وفي الثمن السياسي الذي قد تطلبه واشنطن مقابل أي مكسب قد يحققه لبنان. وهل سينجح في إقناع الإدارة الأميركية بأن قيام الدولة اللبنانية ونجاحها ليس حاجة لبنانية فحسب، بل مصلحة أميركية أيضاً؟
الملف الأول، الانسحاب الإسرائيلي: بعد اتفاق الإطار، يحتاج لبنان إلى نتيجة واضحة يستطيع بها إقناع الرأي العام بأن خيار الدولة والدبلوماسية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة على الأرض. لا يكفي أن يعود الرئيس من واشنطن بكلام عن دعم سيادة لبنان، فهذه العبارات سمعها اللبنانيون مرّات عديدة. ما يحتاجه لبنان هذه المرة هو جدول زمني واضح، أو آلية تنفيذ جدية تؤدي إلى انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات العسكرية في الجنوب، وبسط سلطة الدولة هناك. والرئيس الأميركي يحب أن يظهر كرجل صفقات ونتائج، وهدفه تقليص نفوذ إيران في لبنان. وهنا يستطيع الرئيس عون أن يطرح معادلة بسيطة: إذا كانت الولايات المتحدة تريد دولة لبنانية قوية قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها، فعليها أن تساعدها في تحقيق إنجاز سياسي يمكن الدفاع عنه في الداخل اللبناني، ويسهم في بناء الثقة. فلا يمكن مطالبة الدولة ببسط سلطتها في الداخل وإقناع اللبنانيين بجدوى هذا الخيار، بينما يبقى جزء من أرضها تحت الاحتلال.
الملف الثاني، سلاح حزب الله: يعد هذا الملف صعباً ومعقداً، فاتفاق الإطار يتحدث بوضوح عن حصر السلاح بيد الدولة. لكن الجميع يعرف أن ما يُكتب في الاتفاقات على الورق لا يُنفذ بالسهولة نفسها على الأرض. الرئيس عون يدرك أن محاولة فرض حل بالقوة قد تهدد الاستقرار الأهلي وتدفع البلاد إلى توترات داخلية خطيرة، كما يدرك أيضاً أن ترك هذه المسألة من دون معالجة لم يعد ممكناً، خصوصاً مع ازدياد الضغط الأميركي والإسرائيلي والدولي. لذلك، على الرئيس عون أن يقنع ترامب بأن ملف سلاح حزب الله يحتاج إلى معالجة سياسية تدريجية، لا إلى مهلة زمنية قصيرة قد تُفجّر الوضع الداخلي، وأن تقوية الجيش، وإنهاء الاحتلال، والبدء بإعادة إعمار الجنوب، كلها خطوات تُضعف الحجج التي استُخدمت لتبرير وجود السلاح خارج سلطة الدولة. أما أن يُطلب من لبنان نزع السلاح أولاً، ثم انتظار إسرائيل كي تنسحب لاحقاً، فهذه معادلة يصعب تسويقها في الداخل خصوصاً داخل بيئة حزب الله. يكمن نجاح عون هنا في إقناع ترامب بأن حماية الاستقرار اللبناني ليست تنازلاً لحزب الله، بل الطريق الوحيد لنجاح مشروع الدولة.
الملف الثالث، الجيش اللبناني: لا تكفي التصريحات الأميركية التي تتحدث عن دعم الجيش وتعزيز قدراته، فلبنان يحتاج إلى مشروع دعم أوسع وأكثر جدية من المساعدات التقليدية التي اعتاد الحصول عليها. إذا كان المطلوب أن يصبح الجيش القوة العسكرية الوحيدة على الأرض، فلا بد من تأمين تمويل مستمر لسنوات، وتطوير التجهيزات، وتعزيز قدرات المراقبة والاتصالات والنقل، من دون إهمال الوضع المعيشي للعسكريين. فمن الصعب الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة بينما تواجه المؤسسة العسكرية نفسها أزمة رواتب ونقصاً في الموارد. فالرئيس عون، الآتي من قيادة الجيش، يعرف أين تكمن المشكلة، وسوف يخاطب ترامب بمنطق عملي بعيد عن الشعارات، وبطريقة تقنع الرئيس الأميركي بأن الجيش القوي القادر على ملء الفراغ الأمني هو خيار أقل كلفة من حرب جديدة.
الملف الرابع، إعادة الإعمار: هنا تبدأ إحدى أعقد مهمات عون في واشنطن. فلبنان، الخارج من حروب مدمّرة يواجه فاتورة هائلة؛ يقدّر البنك الدولي إحتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار. وفي المقابل، لا تتجاوز قيمة إطار مشروع المساعدة الطارئة للبنان مليار دولار، منها تمويل أولي من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار. ببساطة، لبنان لا يملك القدرة على تغطية هذا الفرق وحده. كما أن ترامب لن يقدم أموالاً أميركية بلا مقابل سياسي واضح، فالدعم بالنسبة إليه مرتبط بالمصلحة الأميركية. ولهذا، فإن عدم طلب عون أموالاً مباشرة هو الخيار الأذكى، ومن الأفضل أن يطلب غطاءً أميركياً لإنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار لبنان، بمشاركة الخليج وأوروبا والمؤسسات الدولية، مستفيداً من نفوذ واشنطن لحشد التمويل وربطه بالإصلاحات وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها.
الملف الخامس، الإصلاح المالي والمصرفي: هنا يعود السؤال الذي يلاحق لبنان منذ بداية عهد الرئيس عون: ماذا أنجزت الدولة في ملف الإصلاحات؟ فمن الصعب على عون أن يطلب من ترامب دعماً اقتصادياً، بينما تستمر الطبقة السياسية في تأجيل معالجة الخسائر المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المالي وإعادة أموال المودعين. فالبنك الدولي يعتقد أن الاقتصاد الحقيقي قد ينمو بنسبة 4 بالمئة في عام 2026، بشرط استمرار الإصلاحات، وتدفق أموال إعادة الإعمار، وبقاء الاستقرار السياسي. لذلك، يحتاج عون إلى دعم أميركي يحثّ المؤسسات المالية الدولية إلى التحرك بسرعة أكبر، من دون أن يعفي لبنان من مسؤولياته؛ وربما تكون ورقته الأقوى أن يثبت أن لبنان بدأ يتغير فعلاً. فترامب يفضّل صفقة ينفذ فيها أحد الطرفين التزاماته فيكافئه الطرف الآخر، أما الدولة المترددة وغير القادرة على الإنجاز، فقد تفقد اهتمامه سريعاً.
الرهان على واشنطن: يبدأ الرهان من بيروت، ومن قدرة لبنان على مساعدة نفسه قبل أن يطلب من الآخرين مساعدته. فمن الصعب إقناع الخارج بأن يثق بدولة لا تزال تؤجل مواجهة أزماتها. ولهذا، قد يشكل لقاء ترامب فرصة للبنان، لكنه يحمل تحذيراً أيضاً. وقد تقول واشنطن إن مرحلة المساعدات من دون نتائج انتهت. من هنا، لا يُفترض أن يذهب لبنان إلى واشنطن منتظراً من ينقذه؛ فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، وترامب يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق المصالح لا العواطف. وسيطلب مقابلاً واضحاً: ماذا يستطيع لبنان أن يقدّم؟ ماذا ستكسب واشنطن؟ وكيف سيسوّق الرئيس الأميركي أي تفاهم مع لبنان في أميركا على أنه نجاح سياسي؟
الرهان على دول الخليج: المشكلة بالنسبة إلى لبنان ليست في حجم المساعدات وحدها، بل في كيفية إعادة الاستثمارات والسياحة ورؤوس الأموال إلى البلد؛ فهذه لن تعود بقرار يصدر عن مؤتمر دولي أو كلام سياسي معسول، بل عندما يقتنع المستثمر والسائح بأن لبنان خرج من دائرة الحروب المفتوحة. وإذا نجح الرئيس في العودة من واشنطن بمسار سياسي يحمي الاستقرار، وخطة جدّية واضحة تعيد سلطة الدولة، فقد تبدأ دول الخليج في النظر إلى لبنان بصورة مختلفة. فعودة السياحة والاستثمار ورأس المال تفوق أي مساعدة مباشرة، لأنها تعيد الثقة التي يحتاجها الاقتصاد. واللبنانيون عانوا طوال السنوات الماضية من مشكلة أعمق من ضعف الاقتصاد: لم يكن أحد يعرف متى تندلع الحرب المقبلة، ولا من يملك قرار إشعالها أو منعها.
مخاطر اللقاء ومهارة التفاوض: لن يخلو هذا اللقاء من حسابات صعبة، فواشنطن قد ترى في تراجع قوة إيران وحزب الله لحظة مناسبة للضغط على لبنان ورفع سقف الشروط. وقد يجد عون نفسه أمام مطلب نزع السلاح ضمن مهلة قصيرة، أو أمام خطوات لا يحتملها الداخل اللبناني في هذه المرحلة. وفي الوقت نفسه، قد تسعى إسرائيل إلى ربط أي انسحاب بضمانات أمنية مشدّدة، فيتحول حق لبنان في استعادة أرضه إلى ورقة تفاوضية مشروطة. لذلك، يحتاج الرئيس عون وفريقه إلى مهارة تفاوضية لإثبات التزام الدولة بحصرية السلاح والسيادة، من دون الظهور كطرف مهزوم يقبل شروط المنتصر. المطلوب أن يدخل عون البيت الأبيض وهو يعرف تماماً ماذا يريده، وأن يحمل مشروعاً واضحاً يجمع الانسحاب الإسرائيلي، وحصر السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، وإعادة الإعمار، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الخليج إلى لبنان. عندها فقط يمكن أن يصبح لبنان مشروع سياسي متكامل، يستطيع ترامب تبنيه وتقديمه في واشنطن على أنه نجاح شخصي له أمام الرأي العام الأميركي.
في النهاية، لن يكون نجاح زيارة الرئيس جوزاف عون مرتبطاً بعدد الصور الملتقطة في المكتب البيضاوي، ولا بنبرة وجمال الكلمات الصادرة عن البيت الأبيض. المعيار هو ما إذا كان الرئيس سيحمل معه إلى بيروت خريطة طريق تتضمّن مواعيد وضمانات والتزامات متبادلة. لبنان اتخذ خطوة متقدّمة حين اختار التفاوض، وعليه أن يقول لواشنطن بصراحة: إذا كنتم تريدون لهذا الخيار أن ينجح، فساعدوا الدولة على إثبات أن السيادة يمكن أن تُحقّق نتائج إيجابية. قد لا يحمل عون معه اتفاقاً تاريخياً أو عصا سحرية لحل جميع المشكلات، لكنه يستطيع العودة بثلاثة مكاسب تغيّر مسار البلد: التزام أميركي جدي بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي، برنامج طويل الأمد لدعم الجيش، ومظلة دولية تفتح باب إعادة الإعمار والاستثمار. فالسياسة الناجحة تقوم على معرفة كيفية توظيف مصالح الآخرين لخدمة مصلحتك؛ وإذا نجح رئيس الجمهورية في إقناع ترامب بأن وجود دولة لبنانية قوية يخدم المشروع الأميركي في المنطقة، فقد تصبح زيارة البيت الأبيض فرصة لنقل لبنان من بلد ينتظر الحرب التالية إلى دولة تحاول بناء قوتها من مؤسساتها لا من توازنات الخارج. لكن الفرص لا تدوم، ويبقى السؤال: إذا عاد الرئيس عون بنتيجة ملموسة، هل سيعرف لبنان كيف يغتنم الفرصة ويحافظ عليها؟