لا يخفي الإسرائيليون نيّاتهم وأهدافهم المنتظر تحقيقها في لبنان. يعبّرون عنها في الإعلام. يطلقون تصريحات واضحة. ويدخلون في تفاصيل مضامينها مع وفود أجنبية تزور إسرائيل أو في لقاءاتهم في الخارج مع عدد من الذين لا يزالون يتواصلون معهم أو يستقبلونهم. ما جُمع من معلومات في الأيام الأخيرة ونقل إلى عدد من المعنيين بالشأن اللبناني واتفاق الإطار اللبناني الاسرائيلي والمفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية لوضع الآليات العملية لتطبيقه، وبمتابعة الحرب الأميركية المتجددة على إيران بعد إعلان ترامب أن مذكرة التفاهم معها انتهت، وبناء على ذلك أعطى توجيهاته بتجديد الضربات ضدها، والرد الإيراني العسكري ضد القواعد الأميركية المنتشرة في الأردن والبحرين والكويت واستهداف مواقع في قطر وعُمان، والتأكيد أن المذكرة معلّقة الآن، وفي ظل توقف الوساطات ومراقبة تطور الأوضاع وكل ذلك له انعكاساته على لبنان الذي لا تزال بلداته ومدنه الجنوبية تتعرّض لعدوان مفتوح وآلة القتل الاسرائيلية مستمرة مستهدفة مدنيين وعسكريين في صفوف الجيش اللبناني، الذي تريد اسرائيل اختباره وابتزازه في عملية المناطق التجريبية. ما جمع من معلومات في هذا الإطار نقلاً عن كبار المسؤولين الاسرائيليين يمكن اختصاره بالتالي:
1 – "لا انسحاب من لبنان. لأن اتفاق الإطار لم يشر إلى ذلك أبداً. والأسباب الموجبة لبقائنا لا تزال قائمة. نحن في الأساس لم نكن مقتنعين بالاتفاق، لكننا نتعامل معه بكثير من الدقة ولا نريد مشكلة الآن مع ترامب، من دون أن نتخلى عن أهدافنا. حققنا الكثير منها. الميزان لمصلحتنا. لن نتراجع عن إنهاء المهمة واقتلاع حزب الله بسلاحه ومؤسساته".
2 – "نحن مرتاحون جداً لعودة الضربات الأميركية ضد أهداف في مختلف المناطق الإيرانية، لكنها في نظرنا غير كافية ولم تصل إلى مرحلة الحرب الشاملة ونراقب ردّ الفعل الإيراني الذي لا يزال بحدود استهداف القواعد الأميركية في عدد من دول الخليج. لكن يمكن أن يتطور. هذه الدول تضيق الخيارات أمامها. مجدداً قواعد أميركا تُضرب. الخسائر كبيرة. المخاطر كبيرة. وبدا واضحاً لقادتها أن أميركا لا تشكّل حماية فعلية لها. وثمة انزعاج كبير من أسلوب الرئيس ترامب في التعامل مع قادتها، وتركيزه على رغبته في السيطرة على النفط (العراق) وتدفيعهم مبالغ كبيرة ثمناً لحمايتهم، ولا أفق لذلك لا لناحية النتائج ولا لناحية القدرة على الاستمرار في تحمّل هذا الوضع. وهذا ما سمعناه مباشرة وغير مباشرة من عدد من المسؤولين في هذه الدول".
3 – "عرضنا على الأميركيين استعدادنا للمشاركة مجدداً في الحرب وبدء ضربات دقيقة ضد إيران. ولا يزالون يرفضون عرضنا حتى الآن. ونحن ننتظر ونراقب".
4 – "ننتظر سقوط مذكرة التفاهم الأميركي – الإيراني جدياً ونهائياً ليتسنّى لنا التحرّك بحرية أكبر. لا قدرة للأميركي على حسم الأمور وحده ضد إيران. ودول الجوار خائفة ولا تستطيع تقديم أية مساعدة جدية. نحن وحدنا القادرون على ذلك".
5 – "مرحلياً ولتمرير مرحلة الانتظار بدأنا تطبيق مشروع المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني. لسنا متفائلين بتحقيق شيئ يذكر. مدركون أن الجيش اللبناني لا يمكنه تحقيق المهمة المطلوبة -لهم دور أساس في الضغط على كل المعنيين بمساعدة الجيش لعدم الإقدام على أي خطوة في هذا الاتجاه- ولذا، سوف ننفذ نحن، ولن نترك وقتاً ليعود الحزب إلى الإمساك بالمبادرة. ثمة مشكلة مع قائد الجيش اللبناني الذي لا يزال غير متجاوب مع مطالبنا والقرارات التي اتخذت من الحكومة ومع بنود اتفاق الإطار، ولم يكن موقف فريقه جيداً في مفاوضات واشنطن. وعليه أن يدرك أنه لا بد من مواجهة مع الحزب حتى لو وقع دم، نعم، مطلوب دم في لبنان -وهذا ما أشارت إليه وسائل إعلام اسرائيلية متنوعة ليلة توقيع الاتفاق بالقول: "دفعنا لبنان إلى حرب أهلية"- وإذا لم يلتزم، فعلى الحكومة إقالته لأنه في النهاية يخضع للسلطة السياسية. وإذا لم تفعل الأخيرة فثمة إجراءات كثيرة يمكن اللجوء إليها لدفعه إلى الاستقالة -في إشارة إلى فرض عقوبات- ونحن لدينا حرية عمل كاملة في لبنان ولا يظنّن أحد أن الضاحية محمية، وأن ما هو قائم الآن ثابت. سوف نقوم بأي عمل وأينما كان لتحقيق كل أهدافنا في الوقت المناسب وبالتحديد عند سقوط التفاهم الأميركي – الإيراني نهائياً"!
في انتظار ذلك سوف تستمر عمليات التنظيف في الجنوب ضمن المناطق الأمنية وخارجها. لن يبقى أثر لأي مؤسسة تابعة للحزب أياً كان نوعها ودورها، وستكون قيود مشددة على كل المتعاملين معه، لذلك تستمر عمليات التدمير الممنهج للمستشفيات حتى الحكومية والمدارس حتى الرسمية ومحطات المحروقات والمؤسسات الاجتماعية والصليب الأحمر! وحرق الأشجار على جوانب الطرقات، وتدمير كل البنى التحتية تحت عنوان الذريعة المذكورة!
6 – "اتفاق الإطار بيننا وبين لبنان مهم جداً ويؤسس لمستقبل جيد وعلاقات جيدة بين البلدين رغم حالة التخويف والترهيب التي يمارسها حزب الله في الداخل، وبعض الأصوات المعارضة، وكنا نتوقع ونأمل أن يحال الاتفاق إلى المجلس النيابي لإقراره لتنكشف عزلة الثنائي الشيعي لكن ذلك لم يحصل حتى الآن".
7 – "في هذا السياق: الحكومة باقية. ورئيسها ثابت وفي المرحلة المقبلة أي بعد الانتخابات سيتغير المشهد السياسي اللبناني جذرياً. سيكون رئيس حكومة قوي وحكومة بتوازنات مختلفة عن الحالية".
8 – "ثمة خلافات بيننا وبين الإدارة الأميركية. وكل منّا ذاهب إلى انتخاباته وهي مصيرية للإثنين. لكننا لن نتراجع في لبنان ونريد وضع حد للخطر الإيراني لنتفرّغ للخطر التركي آخذين بعين الاعتبار الدور السيئ والخطير لبعض الدول العربية التي تغطي "الإسلام السياسي السني" وتحاول التأثير في مجريات الأمور ولها دور في لبنان وسوريا"! و"نريد الدفع باتجاه إسقاط التفاهم بين أميركا وإيران. إذا لم يحصل ذلك، نريد الدخول على خط المواجهات الحالية. وإذا لم يحصل ذلك قد نلجأ إلى خطوات مفاجئة في الضفة وغيرها لنغيّر كل المعادلات والموازين وهدفنا الأساس حدودنا. حماية المستوطنات. تحقيق الغايات المعروفة في لبنان وسوريا أولاً ومنع إيران من الوقوف مجدداً في وجهنا، بل نسعى إلى إقناع أميركا ودول الجوار بالعمل على التغيير في الداخل".
"نجحنا في ترجيح كفة الخلاف بين فانس وروبيو في محيط الرئيس ترامب لمصلحة الثاني حول اتفاق اسلام آباد، ولبنان ذهب في اتجاه روبيو لكن هجمات فانس الأخيرة لا تريحنا. أمامنا طريق طويل في هذا الاتجاه، سنستخدم كل الأوراق ونقوم بكل ما يلزم لتثبيت إنجازاتنا وتعزيزها والفوز بالانتخابات وساعتئذ نكون أكثر قدرة على تحقيق ما نريد".
هذه هي خطة اسرائيل المرحلية، وأكتفي بهذا القدر من المعلومات متمنياً أن يعود الرئيس عون بعد لقائه بالرئيس ترامب بشيئ يشكّل على الأقل بداية مسار جدي للجم هذه الطموحات والهوس والغطرسة والحقد. لكن المؤشرات لا تبشر بخير.