5 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 21-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "إنهم لا يشبهوننا"… كيف تحولت رواية غير موثقة إلى أشهر مقولة طائفية في لبنان؟
"إنهم لا يشبهوننا"… كيف تحولت رواية غير موثقة إلى أشهر مقولة طائفية في لبنان؟
العميد محمد الحسيني
2026-07-20
"إنهم لا يشبهوننا"… كيف تحولت رواية غير موثقة إلى أشهر مقولة طائفية في لبنان؟

منذ نحو مئة وستين عاماً، وصل الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan، 1823–1892) إلى لبنان ضمن بعثة أثرية كلّفه بها الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، في مرحلة كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر محطاتها اضطراباً عقب أحداث عام 1860 الدموية في جبل لبنان ودمشق.
ولم تكن مهمة رينان مقتصرة على جمع النقوش والآثار الفينيقية، بل أتاحت له رحلته، إلى جانب اهتمامه الأثري، مراقبة المجتمع اللبناني وبنيته الاجتماعية والعلاقات المعقدة بين جماعات تتشارك الجغرافيا، لكنها لا تتبنى بالضرورة التصور نفسه للهوية والانتماء. وقد أصبحت هذه الملاحظات لاحقاً مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ لبنان الاجتماعي والسياسي خلال القرن التاسع عشر.
وفي معرض حديثه عن العلاقة بين الموارنة وفرنسا، لاحظ رينان أن الروابط الدينية والتاريخية والسياسية ولّدت لدى كثير من الموارنة شعوراً بقرب حضاري من الفرنسيين، إلا أنه رأى أن هذا التقارب لا يعني تطابقاً في الهوية؛ فالبيئة التي ينتمي إليها الموارنة، برأيه، بقيت بيئة شرقية تشكلت ضمن مسار تاريخي وثقافي خاص، رغم عمق الروابط التي ربطتهم بفرنسا.
وقد لخّصت بعض القراءات اللاحقة، لا سيما في التداول الشعبي والسياسي، هذه الفكرة بالصياغة الفرنسية، وهي ليست نصاً حرفياً لرينان:
Ils s’imaginent que nous leur ressemblons, mais en réalité ils vivent dans un autre monde et possèdent leur propre identité.
أي: «إنهم يتوهمون أننا نشبههم، لكن الواقع أنهم يعيشون في عالم آخر ولهم هويتهم الخاصة.»
ومن هنا ينبغي التمييز بين هذه الفكرة وبين العبارة المتداولة لاحقاً:
Ils ne nous ressemblent pas
أي: «إنهم لا يشبهوننا».
فالعبارة الأخيرة، بصيغتها الشائعة والمنسوبة إلى امرأة من عمشيت، لا ترد بوصفها اقتباساً حرفياً ثابتاً في مؤلفات رينان، كما أنها لم تُستخدم لديه في سياق الحديث عن الطوائف اللبنانية أو العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. فقد كان حديثه محصوراً بالفارق الحضاري بين الفرنسيين والموارنة، لا بالانقسامات الداخلية في لبنان.
غير أن هذه الفكرة خرجت تدريجياً من سياقها الأصلي، وعبرت قرناً ونصف القرن قبل أن تتحول إلى إحدى أكثر العبارات حضوراً في السجال الهوياتي والخطاب الطائفي اللبناني، عبر خمس مراحل رئيسية.
أولاً: الجنين الاستشراقي (1860 – أواخر القرن التاسع عشر)
انبثقت الفكرة في إطار النظرة الاستشراقية الفرنسية. فقد جاء رينان إلى لبنان وهو يحمل تصوراً رومانسياً عن المسيحيين الشرقيين باعتبارهم امتداداً ثقافياً لأوروبا، لكنه اكتشف مجتمعاً شرقياً بلغته وعاداته وتقاليده. لذلك كانت ملاحظته ترسم حدوداً بين الذات الأوروبية والآخر الشرقي، ولم تكن موجهة ضد أي جماعة لبنانية.
ثانياً: الحكاية الشعبية (العشرينيات – الخمسينيات)
مع قيام دولة لبنان الكبير وانتشار الثقافة الفرنسية، بدأت تتداول في الذاكرة الشعبية اللبنانية رواية تُنسب إلى امرأة مسيحية من بلدة عمشيت أنها قالت، في معرض حديثها عن الفوارق بين سكان البلدة والوافدين، عبارة «ما بيشبهونا». غير أن هذه الرواية بقيت ضمن نطاق التداول الشفهي، ولم يُعرف لها حتى اليوم توثيق تاريخي أولي حاسم يثبت ظروفها أو سياقها الأصلي. وسواء كانت الرواية تعكس واقعة تاريخية أم أنها خضعت لاحقاً لإعادة بناء في الذاكرة الجماعية، فإن العبارة في بدايات تداولها لا تظهر بوصفها خطاباً سياسياً أو شعاراً طائفياً منظماً، بل تعبيراً عاماً عن الإحساس بالخصوصية الاجتماعية والثقافية. إلا أن معناها تبدّل تدريجياً مع انتقالها من الحكاية المحلية إلى المجال العام، حيث أُعيد تفسيرها في مراحل لاحقة ضمن سياقات طائفية وسياسية أكثر حدة، فأصبحت تحمل دلالات تتجاوز مضمونها الشعبي الأول.
ثالثاً: الحرب الأهلية وإعادة التوظيف الأيديولوجي (1975–1990)
شهدت الحرب الأهلية التحول الأكثر عمقاً في دلالة العبارة. فقد انتقلت من وصف العلاقة بين اللبناني والفرنسي إلى توصيف العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم. واستُخدمت في بعض أدبيات اليمين المسيحي، ولا سيما ضمن خطاب «الخصوصية اللبنانية»، لتبرير مشاريع مثل الفيدرالية أو الأمن الذاتي أو التقسيم، وأصبحت عبارة «لا يشبهوننا» تُستخدم للإشارة إلى المسلمين أو الفلسطينيين وحلفائهم باعتبارهم «الآخر» المختلف ثقافياً وسياسياً. وفي هذا السياق، استُدعي اسم رينان لإضفاء شرعية فكرية على هذا الخطاب، رغم غياب أي دليل يثبت أنه قال العبارة بهذا المعنى.
رابعاً: ما بعد عام 2005 والتشظي الرقمي
بعد اتفاق الطائف خفت حضور العبارة نسبياً، لكنها عادت بقوة مع الانقسام السياسي الذي أعقب عام 2005، ثم تضاعف انتشارها مع وسائل التواصل الاجتماعي. ولم تعد حكراً على تيار سياسي بعينه، بل تبنتها أيضاً بيئات مؤيدة للمقاومة بصيغة معاكسة: «نعم، نحن لا نشبهكم ولا نريد أن نشبهكم»، لتصبح شعاراً متبادلاً يعكس الانقسام الهوياتي بين اللبنانيين، ويعاد استحضاره عند كل أزمة سياسية أو اجتماعية.
خامساً: مرحلة الحرب الأخيرة وأزمة الدولة والسيادة (2023 – حتى اليوم)
أعادت المواجهة التي اندلعت على الجبهة اللبنانية بعد عملية الإسناد التي أعلن حزب الله خوضها دعماً لغزة، إحياء عبارة «إنهم لا يشبهوننا» في الخطاب السياسي اللبناني، ولا سيما في بعض الأوساط المسيحية المعارضة لدور حزب الله وسلاحه. وانتقلت من التعبير عن اختلافات هوياتية وثقافية إلى الاختلاف حول مفهوم الدولة نفسها: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل تكون الدولة المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية، أم يبقى السلاح خارج مؤسساتها جزءاً من معادلة الأمن الوطني؟
وفي المقابل، استخدمت البيئات المؤيدة للمقاومة العبارة بصورة معاكسة، باعتبار أن اختلافها عن خصومها يمثل اختلافاً في الخيارات الوطنية والرؤية الإقليمية، لا مجرد انقسام داخلي. وهكذا تحولت المقولة إلى مرآة تعكس الصراع الأعمق حول معنى لبنان، وحدود السيادة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمقاومة.
ومن هنا انتقلت العبارة من سؤال الانتماء الطائفي إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه: هل الدولة هي الإطار النهائي لتنظيم الاختلافات وصاحبة السيادة، أم أن لبنان سيبقى مساحة تتعايش فيها سلطات ومرجعيات متوازية؟
وتكمن خطورة هذا التحول في أن الذاكرة السياسية لا تكتفي أحياناً بإعادة تفسير التاريخ، بل تعيد إنتاجه أيضاً. فحين تُنسب عبارة غير موثقة إلى مفكر بحجم رينان، فإنها تكتسب قوة تتجاوز مضمونها، وتتحول بفعل التكرار والاستعمال إلى مرجعية تُبنى عليها سرديات الهوية والانقسام، بل إلى «حقيقة» يتعامل معها الناس وكأنها جزء من التاريخ.
وهنا تتجاوز القضية حدود رينان نفسه. فالمسألة ليست ما إذا كان قال العبارة أم لم يقلها، بل كيف استطاعت مقولة بلا سند نصي ثابت أن تكتسب هذه السلطة الرمزية، وأن تُستخدم لتبرير سرديات عن الهوية والخصوصية واستحالة التعايش. إنها مثال واضح على أن الصراعات السياسية لا تكتفي بإعادة تفسير التاريخ، بل تعيد أيضاً إنتاجه بما يخدم احتياجات الحاضر.
ولعل المفارقة أن قوة هذه العبارة لم تأتِ من ثبوتها التاريخي، بل من قابليتها للتوظيف. فالعبارات السياسية الكبرى لا تحتاج دائماً إلى أن تكون صحيحة كي تؤثر؛ يكفي أن تجد بيئة اجتماعية وسياسية مستعدة لتصديقها وتكرارها حتى تتحول من رواية محتملة إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
فلبنان لم يُبنَ عبر تاريخ من التشابه المطلق بين جماعاته، كما لم يُختزل يوماً في تاريخ من القطيعة الدائمة بينها. وبين هذين الحدّين، يبقى التاريخ أكثر تعقيداً من الشعارات، وأكثر ثراءً من العبارات التي تُقتطع من سياقها لتصبح وقوداً لانقسامات الحاضر. فالخطر لا يكمن في اختلاف اللبنانيين، بل في تحويل الاختلاف إلى دليل على استحالة العيش المشترك، وتحويل التعدد الذي كان يمكن أن يكون مصدر غنى إلى أداة فرز وإقصاء.

رأي اليوم
أخبار مماثلة