5 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 21-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حماس" إلى أين.. وما المستقبل الذي ينتظرها؟
"حماس" إلى أين.. وما المستقبل الذي ينتظرها؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-07-20
"حماس" إلى أين.. وما المستقبل الذي ينتظرها؟

لم يكن انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس مجرد انتقال تنظيمي للقيادة، بل حدثًا سياسيًا تتجاوز دلالاته الحركة نفسها، ليطال مستقبل القضية الفلسطينية، وتوازنات الإقليم، وآفاق التعاطي الدولي مع مرحلة ما بعد الحرب على غزة.
ويكتسب الحدث دلالة إضافية مع الاتصال الهاتفي الذي أجراه نائب رئيس دولة فلسطين، حسين الشيخ، مهنئًا الحية بانتخابه. فالتهنئة لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات العميقة بين السلطة وحماس، لكنها تعكس إدراكًا متبادلًا بأن استمرار الانقسام لم يعد ترفًا سياسيًا، وأن تحديات المرحلة المقبلة تفرض إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، مهما بلغت حدة التباينات. وهي رسالة إلى الداخل الفلسطيني، كما هي رسالة إلى الإقليم والمجتمع الدولي، بأن إمكانية التواصل لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية.
أما انتخاب الحية، فيعكس ميلًا داخل حماس إلى الاستمرارية أكثر من التغيير. فالرجل من أبرز قادتها السياسيين، وقاد خلال السنوات الماضية ملفات التفاوض والعلاقات الإقليمية، ويُعرف بعلاقاته الوثيقة مع إيران، وبحضوره في قنوات التواصل مع مصر وقطر. ومن ثم، فإن انتخابه يشير إلى تمسك الحركة بخياراتها الاستراتيجية، مع محاولة إدارتها بقدر أكبر من البراغماتية السياسية.
فلسطينيًا، يضع هذا التطور حماس أمام استحقاق تاريخي. فبعد الحرب وما خلّفته من دمار غير مسبوق، لم يعد السؤال متعلقًا بإعادة بناء غزة وحدها، بل بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فهل ستبقى الحركة إطارًا سياسيًا وعسكريًا موازياً لمنظمة التحرير الفلسطينية، أم ستنخرط في مشروع وطني جامع يعيد توحيد القرار الفلسطيني ويضع حدًا لازدواجية المرجعيات التي استنزفت القضية طوال السنوات الماضية؟
وعربيًا، تبدلت البيئة السياسية بصورة جوهرية. فالدول العربية المؤثرة أصبحت أكثر تمسكًا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية، وأكثر رفضًا لتحويل الساحة الفلسطينية إلى امتداد لصراعات المحاور الإقليمية. ومن هنا، فإن مستقبل علاقة حماس بالعالم العربي سيتوقف على مدى قدرتها على تغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية، والاندماج في رؤية سياسية توازن بين المقاومة والعمل السياسي.
أما إقليميًا، فإن انتخاب الحية يحمل رسالة واضحة باستمرار العلاقة الاستراتيجية مع إيران، التي شكلت أحد أهم داعمي الحركة سياسيًا وعسكريًا. غير أن هذه العلاقة تدخل اليوم مرحلة مختلفة؛ فإيران نفسها تواجه تحديات وضغوطًا غير مسبوقة بعد المواجهات العسكرية الأخيرة، بما قد يحد من قدرتها على ممارسة الدور الذي اعتادت عليه. وعليه، فإن استمرار التحالف لا يعني بالضرورة بقاء معادلاته السابقة أو مستويات الدعم ذاتها.
ودوليًا، فإن تغيير القيادة لن يكون كافيًا لتغيير الموقف من حماس، ما لم يواكبه تطور في الرؤية السياسية. فالعالم بات معنيًا اليوم بمستقبل غزة، وإعادة إعمارها، وآليات إدارتها، وبوجود شريك فلسطيني موحد وقادر على تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة.
لقد فرضت الحرب واقعًا فلسطينيًا وإقليميًا جديدًا، وأعادت طرح أسئلة كانت مؤجلة لعقود. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُقاس قوة الحركات بقدرتها على الصمود وحده، وإنما بقدرتها على مراجعة خياراتها، والتكيف مع التحولات، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح التنظيمية والإقليمية.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل حماس، وربما مستقبل القضية الفلسطينية برمتها: هل ستظل الحركة جزءًا من معادلات المحاور الإقليمية، أم ستتجه إلى إعادة تعريف دورها ضمن المشروع الوطني الفلسطيني، باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى أساس الشراكة السياسية ووحدة القرار؟
إن انتخاب خليل الحية ليس نهاية مرحلة، بل بداية اختبار جديد. ولن يكون معيار نجاح القيادة الجديدة قدرتها على إدارة الحركة فحسب، بل قدرتها على الإجابة عن السؤال الأكبر: حماس إلى أين؟

جنوبيات
أخبار مماثلة