بيان صادر عن التنظيم الشعبي الناصري في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952:
في الثالث والعشرين من يوليو، لا نستعيد مجرد تاريخٍ مضى، ولا نقف أمام حدثٍ حُفظ في صفحات الكتب، بل نستحضر لحظةً صنعت وعيًا عربيًا جديدًا، وأعادت إلى الجماهير ثقتها بقدرتها على صناعة التاريخ، وإلى الأمة إيمانها بأنّ التحرر ليس حلمًا مستحيلًا، بل إرادةٌ تصنعها الشعوب عندما تقرر أن تنتفض على الظلم، وترفض الخضوع، وتتمسك بحقها في الحرية والكرامة والسيادة.
لقد جاءت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 في لحظةٍ كانت الأمة العربية ترزح تحت أثقال الاستعمار والتبعية والتجزئة، بينما كانت فلسطين تنزف تحت وقع الاحتلال، وكانت الإرادة العربية تتعرض لمحاولات الكسر والإخضاع. فجاءت الثورة لتعلن أنّ زمن الهيمنة ليس قدرًا، وأنّ الشعوب قادرة على كسر القيود وصناعة مستقبلها.
لم تكن ثورة يوليو انقلابًا عسكريًا بالمعنى الضيق، بل تحوّلت إلى مشروع نهضوي عربي، حمل رؤية متكاملة لبناء الإنسان والدولة والمجتمع، وجعل من الاستقلال الوطني قاعدةً لكل تنمية، ومن العدالة الاجتماعية شرطًا للاستقرار، ومن الوحدة العربية أفقًا استراتيجيًا لا غنى عنه، ومن فلسطين البوصلة التي لا يجوز أن تنحرف عنها الأمة.
لقد أعادت الثورة توزيع الأرض على الفلاحين، وفتحت أبواب التعليم أمام أبناء الفقراء، ورسّخت دور الدولة في التنمية والإنتاج، وبنت قاعدةً صناعية وطنية، وأقامت السدّ العالي بوصفه عنوانًا لقدرة الإرادة الوطنية على الإنجاز، وأمّمت قناة السويس في واحدة من أكثر لحظات التاريخ العربي إشراقًا، مؤكّدةً أنّ السيادة ليست شعارًا، بل ممارسة، وأنّ ثروات الشعوب يجب أن تبقى ملكًا لشعوبها.
وعلى المستوى العربي والدولي، وقفت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر إلى جانب حركات التحرّر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وأسهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز، واحتضنت قوى المقاومة العربية، لتصبح القاهرة منارةً للأحرار، وصوتًا للمقهورين، وسندًا لكل من يناضل ضد الاحتلال والاستعمار والعنصرية.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، تبدو أسئلة يوليو أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فما زالت أمتنا تواجه الاحتلال والاستيطان والعدوان، وما زالت فلسطين تتعرض لمحاولات الاقتلاع والإبادة والتهجير، وما زالت مشاريع التفتيت وإثارة الانقسامات المذهبية والطائفية تُستخدم لإضعاف دولنا وشعوبنا، بينما تتسع دوائر الفقر والتبعية والارتهان للخارج.
إنّ ما يجري في فلسطين، وفي مقدّمته العدوان المتواصل على غزة، وما يتعرض له لبنان من اعتداءات وتهديدات، يؤكّد أنّ الصراع لم يكن يومًا صراع حدود، بل صراع إرادات بين مشروعٍ يريد لهذه الأمة أن تبقى ممزقةً وضعيفة، ومشروعٍ يؤمن بحقها في الحرية والسيادة والتنمية والكرامة.
ومن هنا، فإنّ الدرس الأكبر الذي تقدمه ثورة يوليو هو أن الأوطان لا تُحمى إلا بوحدة شعوبها، وأنّ الاستقلال لا يُستعار، وأنّ التنمية لا تُفرض من الخارج، وأنّ العدالة الاجتماعية ليست شعارًا انتخابيًا، بل أساس الاستقرار، وأنّ الأمة التي تتخلى عن هويتها وعن فلسطين، تتخلى تدريجيًا عن مستقبلها.
وفي لبنان، حيث تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تزداد الحاجة إلى استعادة روح المشروع الوطني الجامع، القائم على دولة عادلة وقادرة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، ومواطنة متساوية، بعيدًا عن المحاصصة والفساد والارتهان للخارج. إنّ بناء الدولة لا يتناقض مع حماية الوطن، بل إنّ الدولة القوية والعادلة هي الإطار الذي تتكامل فيه طاقات المجتمع للدفاع عن سيادته وصون كرامة شعبه.
إنّ التنظيم الشعبي الناصري، وهو يستلهم المبادئ التي حملتها ثورة يوليو، يؤكّد أنّ الوفاء الحقيقي لهذه الذكرى لا يكون بترديد الشعارات، بل بتجديد المشروع النهضوي العربي، وتطوير أدواته، والانفتاح على طاقات الشباب، وترسيخ قيم الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والحرية، والوحدة، ومقاومة الاحتلال بكل أشكاله، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
إنّ الأمم التي تنسى تاريخها تفقد بوصلتها، أما الأمم التي تقرأ تاريخها بعينٍ ناقدة وعقلٍ منفتح، فإنها تحوّل تجاربها إلى قوةٍ للمستقبل. ومن هنا، فإن الثالث والعشرين من يوليو سيبقى في وجداننا موعدًا متجددًا مع الأمل، ومع الإيمان بأنّ إرادة الشعوب لا تُهزم، وأنّ الحق لا يسقط بالتقادم، وأنّ الأمة العربية، مهما اشتدّت عليها المحن، قادرة على النهوض من جديد، متى امتلكت مشروعها، ووحّدت صفوفها، وآمنت بقدرتها على صناعة مستقبلها.