في السنوات السبع المقبلة، كان يمكن لمعتقل الخيام التاريخيّ أن يبلغ الـ 100 عام من عمر بنائه التراثيّ الذي وضع الجيش الفرنسيّ أبّان فترة انتشاره في منطقة جنوب لبنان قريبًا من الحدود الفلسطينيّة والسوريّة، مداميكه الأولى، كي يكون ثكنة عسكريّة غايتها في الدرجة الأولى المراقبة في نقطة حدوديّة بالغة الأهمّيّة تربط ثلاثة بلدان عربيّة. لكنّ إسرائيل التي طالما عاثت في هذا المعتقل استغلالًا وتدميرًا قامت أخيرًا بمحوه بعد هدم منشآته كلّها وتجريفها وإنشاء نقطة عسكريّة على أطلاله تشرف على مناطق واسعة من جنوب لبنان فيها مهبط للطائرات المروحيّة. وما بناه الانتداب الفرنسيّ في السنوات الأولى لولادة الجمهوريّة اللبنانيّة دمّره الاحتلال الإسرائيلي بعد قرن عن سابق إصرار وتصميم.
تدمير لكلّ شيء
وقد عاين العالم بالبثّ الحيّ مشاهد التدمير الإسرائيليّ لمعظم دور وقصور ومنازل الخيام بعد تفخيخها ونسفها ثمّ جرفها، ومنها معتقل الخيام، إذ أكدت التقارير أنّ جيش الاحتلال دمّره بالكامل، بل قام بمحوه عن بكرة أبيه ولم يبقَ من المنشآت القديمة ما يشير إلى أن هذا المكان كان ثكنة قبل نحو 100 عام بناها الفرنسيّون إبّان فترة الانتداب، ثم صارت ثكنة للجيش اللبنانيّ بعد الاستقلال في العام 1943، ومعتقلًا إسرائيليًّا شهد على عذابات الأسرى والمعتقلين اللبنانيّين والعرب ممّن زجّوا به، ثمّ مزارًا بعدما أمتّه في مناسبة التحرير العام 2000 وفود من مختلف أصقاع الأرض لتحتفي بالتحرير وتشهد على الهمجيّة التي كان يمارسها الاحتلال وزبانيّته بحقّ المعتقلين والأسرى.
ونقلت مصادر إعلاميّة من المنطقة الحدوديّة أنّ الجيش الإسرائيليّ أقدم على تجريف "معتقل الخيام" التاريخيّ في جنوب لبنان وعلى محوه بالكامل، جاعلًا منه أثرًا بعد عين؛ مستغلًّا احتلاله للمنطقة خلال العمليّات العسكريّة، لا سيّما في فترات الهدنة المعلنة. وشهد الموقع، الذي عايش حقبات احتلال سابقة، عمليّات هدم واسعة أزالت مرافقه. وأفادت مصادر ميدانيّة لاحقًا بأنّ الجيش الإسرائيليّ عمل بعد تدمير أبنية المعتقل على إقامة نقطة عسكريّة فوق أرضه تتضمّن مهبطًا للمروحيّات.
تقارير تؤكّد محو المعتقل
وفي تقرير إخباريّ عن مدينة الخيام الواقعة تحت الاحتلال للمراسلة الأميركيّة كورتني بونّو(Courtney Bonneau) تقول: "أحدّثكم من المدخل الشماليّ لبلدة الخيام، والتي لا تزال محتلّة من قبل الجيش الإسرائيليّ، حيث لا يزالون يقومون بعمليّات هدم غير قانونيّة لمنازل المدنيّين والبنية التحتيّة هنا. خلال الحرب في شهر آذار (مارس)، قمت أنا و(المصوّر) علي عزّالدين بتصوير الجرّافات الإسرائيليّة وهي تهدم معتقل الخيام التاريخيّ، والذي ظلّ قائمًا لما يقرب من 100 عام؛ حيث تمّ بناؤه على ما أعتقد نحو العام 1930".
وأضافت بونّو "لقد تعرّض آلاف الأشخاص للتعذيب أثناء احتجازهم لدى إسرائيل، وكان السجن قد حوفظ عليه بالحالة التي ترك عليها عندما انسحب الإسرائيليّون في العام 2000، تاركين وراءهم أدلّة دامغة على التعذيب البشع والوحشيّ بحقّ الأسرى. اليوم، وكما ترون خلفي، تقبع قاعدة إسرائيليّة ضخمة وغير قانونيّة فوق أنقاض هذا الموقع الأثريّ. لقد أمضينا 15 شهرًا في التحقيق بشأن بناء وتوسيع قواعد غير قانونيّة هنا في لبنان، بالإضافة إلى النقاط العسكريّة المستحدثة".
وتابعت "لقد درسنا مواد البناء وأسلوب التشييد؛ في البداية كانت خمس قواعد، إحداها تقع هناك تمامًا على تلّة الحمامص (جنوب الخيام). وإذا احتسبنا الحصنين الخاصّين بالقنّاصة في كفركلا، يصبح المجموع سبع قواعد، والتي نفذوا منها أيضًا عمليّات عسكريّة".
وتشير الصحافيّة بونّو إلى أنّه "خلال هذه الحرب، تضخّم عدد القواعد الإسرائيليّة غير القانونيّة على الأراضي اللبنانيّة ليصل إلى 23 قاعدة. والقاعدة التي تظهر خلفي هنا – وهي القاعدة الجديدة – تمّ بناؤها من الخارج، وبحسب ما أستطيع رؤيته، فقد شيّدت تمامًا مثل القواعد الموجودة على تلّة الحمامص، ومستديرة بلاط، وجلّ الدير، واللبّونة، وحولا".
وتعمل كورتني بونّو كمصورة وصحافيّة مستقلّة وتتعاون مع وكالات أنباء عالميّة كبرى مثل وكالة الأنباء الفرنسيّة (AFP) و(Middle East Images)، إذ قامت بتغطيّة الأحداث الميدانيّة والدمار الذي طاول منطقة الخيام والمعتقل إثر التصعيد العسكري الأخير.
المعتقل ثكنة فرنسيّة
بنى الفرنسيّون ثكنة الخيام التي تحولت لاحقًا إلى معتقل في العام 1933 بحسب ما حُفر على لوحة صخريّة تقع عند زاويته الجنوبيّة الشرقيّة، وربّما قبل ذلك بسنوات قليلة، كي تكون مقرًّا لقوّاتهم المرابطة في منطقة جنوب لبنان، على تلّ يطلّ على بلدة الخيام من ناحيتها الجنوبيّة ويشرف بصورة كاملة على منطقة ”إصبع الجليل“ في شمال فلسطين من جهة؛ وعلى مرتفعات الجّولان من جهة ثانية. وكانت بمثابة موقع حصين واستراتيجيّ يمكن من خلالها السيطرة على الحدود الجنوبيّة من لبنان؛ وكذلك الجنوبيّة من سوريا.
وجاء تصميم الثكنة كإسطبلات للخيول بالأصل، مع بعض قاعات القيادة والإقامة. ومع استقلال لبنان وجلاء الجيوش الأجنبيّة عن الأراضي اللبنانيّة، أخلى الفرنسيّون الثكنة ليتسلّمها الجيش اللبنانيّ سنة 1943. وظلّت كذلك حتّى آذار العام 1978، عندما اجتاحت إسرائيل أجزاء واسعة من الجنوب ونفّذت مع المليشيات التابعة لها عمليّة تدمير منهجيّة بحقّ الخيام بعد تهجير أهلها وارتكاب مجزرة بحقّ المسنّين ممّن لم ينزحوا عن بلدتهم.
بعدها تسلّمت مليشيات "جيش لبنان الجنوبيّ" المتعاملة مع إسرائيل الثكنة. وفي أعقاب اجتياح العام 1982 اعتمدتها مركزًا للتحقيق، ثمّ معتقلًا بديلًا عن معتقل أنصار الذي أقفلته في الرابع من نيسان (أبريل) 1985، تحت عنوان "معتقل الخيام"، زجّت فيه الآلاف من الأسرى اللبنانيّين والمقاومين، وتعرّضوا فيه لأعتى أساليب التعذيب والقهر، حتّى تاريخ تحرّرهم منه في الـ23 من أيّار (مايو) العام 2000.
تدمير منهجي بحرب 2006
ظلّ معتقل الخيام، إلى بعد ستّة أعوام من التحرير، قبل تدميره في العام 2006، مسرحًا حيًّا شاهدًا على فعل العدوّ الإسرائيليّ وممارساته بحقّ المعتقلين والأسرى اللبنانيّين، تروي زنزاناته واقبية الاعتقال وغرفها "النتنة"، لآلاف الوافدين والزوّار الذين حجّوا إليه مباركين التحرير من كلّ المناطق اللبنانيّة، ومن مختلف أصقاع الأرض، والعوالم العربيّة والأميركيّة والأوروبّيّة والإيرانيّة، تتقدّمهم النخب العلميّة والثقافيّة والبرلمانيّة والبعثات الإنسانيّة؛ وكان منهم العالم الأميركيّ نوام تشومسكي والمفكّر الفلسطينيّ أدوارد سعيد والشاعر الكبير مظفّر النوّاب وأدباء وشعراء وفنانون تشكيليّون؛ تروي حكاية الاحتلال وممارسات العدوّ وهمجيّته.
في حرب تمّوز (يوليو) العام 2006 تبدّل كلّ شي بعد تعرّض المعتقل "المزار" لتدمير منهجيّ من خلال عشرات الغارات التي نفّذتها طائرات العدوّ الإسرائيليّ، ما قوّض زنزاناته وقاعاته وباحاته، وغيّر معالمه، ولم يبقَ من العناوين البنائيّة والرمزيّة التي كانت تندرج ضمن مسارات التدليل على ممارسات العدوّ، إلّا بعض الجدران والزوايا والأطلال.
وأضحت معظم الزنزانات التي كانت تغصّ بالوفود الزائرة من كلّ مكان، غير موجودة، وبالتالي، من صار يزور المعتقل بعد عدوان 2006، فقط ليتفرّج على ما لحق به من دمار وخراب، فآليات جيش العدوّ التي لطالما التقط الزوّار صورهم التذكاريّة حولها وعليها، تحوّلت إلى أشلاء وبقايا؛ أمّا ”عمود التعذيب“ الذي كان روّاد المعتقل يتوقّفون طويلًا ومليًّا أمامه فيستمعون إلى شرح تفصيليّ من الأسرى والمعتقلين عن تجاربهم التي عاشوها خلال سنوات الاعتقال والتعذيب، فلم يبقَ إلّا العمود الحديديّ بعدما غابت مختلف المعالم حوله.
دمار قوّض المتحف
وكان مجلس الوزراء اللبنانيّ قد قرّر في جلسته العاديّة المنعقدة خلال الـ31 من أيّار (مايو) العام 2000 برئاسة رئيس الحكومة آنذاك الدكتور سليم الحص "تحويل معتقل الخيام السابق الى معرض دائم لممارسات الاحتلال الاسرائيلي". وجاء في حيثيات القرار: "تحويل معتقل الخيام الى معرض دائم للاحتلال الاسرائيلي".
لكن، أتت حرب العام 2024 وقبلها المناوشات التي بدأت في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، لتقوّض أحلام البلديّة، وتدكّ المعتقل شيئًا فشيئًا وتحوّله إلى خراب يشبه إلى حدّ كبير التدمير الممنهج الذي لحق بالخيام وأحيائها وأدى إلى هدم أكثر من 60 في المئة من بنيتها المعماريّة والمنشآت الحيويّة والبنى التحتيّة والمراكز التربويّة والدينيّة، طبعًا قبل حرب 2026 التي بدأت في الثاني من آذار الماضي ولم تتوقّف حتّى اليوم.
وأكّدت التقارير الإسرائيلية وصور الأقمار الصناعيّة Satellite Imagery Reveal the Israeli Demolition of Khiam… قيام الجيش الإسرائيليّ بتجريف "معتقل الخيام" التاريخيّ في جنوب لبنان ومحوه بالكامل، واستغلّ الجيش الإسرائيلي تواجده في بلدة الخيام خلال العدوان…، كجزء من عمليّات نسف واسعة للمباني والبنية التحتيّة في المنطقة.
ذات تقسيم إداريّ وعمرانيّ
تاريخيًّا وجغرافيًّا، يتكّون معتقل الخيام من خمسة مبان رئيسة تضمّ عشرات الغرف والزنازين التي قُسمت هندسيًّا لفرض العزلة والتشديد على الأسرى. تتوزّع الأبنية والزنازين بالتفصيل وفقًا لتوثيق موسوعة معتقل الخيام على النحو الآتي:
- أبنية وأقسام رئيسة خمسة مبان أساسيّة، أربعة منها خصّصت لمعتقل الرجال، ومبنى واحد عُزل تمامًا ليكون سجنًا للنساء.
- الساحة الرئيسة وتتوسّط الأبنية وتُحيط بها أبراج المراقبة والأسلاك الشائكة.
- مكاتب الإدارة والتحقيق وهي كناية عن غرف منفصلة تقع عند مدخل المعتقل لضمان عزل غرف التحقيق والتعذيب عن الأجنحة الجماعيّة.
مواصفات وتقسيم الغرف (الزنازين): يبلغ عدد الغرف الإجماليّ في كلّ مبنى نحو20 غرفة، وتتوزّع الزنازين على نوعين رئيسين: الزنازين الجماعيّة وهي 67 زنزانة، لا تتعدّى مساحة كلّ زنزانة المترين طولًا والمتر ونصف المتر عرضًا (2m × 1.5m).
القدرة الاستيعابية: كان يُحشر فيها ما بين خمسة إلى ستّة أفراد في ظروف خانقة. وكانت تفتقر إلى التهوئة الطبيعيّة، وفيها فتحة صغيرة جدًّا في الباب الحديديّ (المورقة) يراقب منها الحرّاس الأسرى.
الزنازين الانفراديّة وهي أكثر من 20 زنزانة لا تتعدّى مساحة كلّ واحدة الـ90 سنتيمترًا طولًا وعرضًا. وهي مظلمة تمامًا، مجهزة بحلقات حديديّة في الجدران لتقييد المعتقلين، وتفتقر لأيّ مقوّمات بشريّة.
زنازين التضييق الشديد (المعروفة بالقنّ): هي زنازين فائقة الصغر (نحو 50 سنتيمترًا عرضًا وطولًا، و70 سنتيمترًا ارتفاعًا). وفي الاستخدام كانت تُجبر المعتقل على البقاء في وضعيّة القرفصاء أو الانحناء الكامل طوال فترة احتجازه كنوع من أنواع التعذيب الجسديّ الشديد والنفسيّ القاسيّ.