لم تعد الجرائم التي ترتكبها جماعات المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، أحداثًا معزولة أو تجاوزات فردية يمكن احتواؤها أو تبريرها، بل غدت سياسة ممنهجة تتكامل فيها أدوار المستوطنين، وجيش الاحتلال، والحكومة الإسرائيلية، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، تقوم على الإرهاب والتهجير القسري والتوسع الاستيطاني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقواعد القانون الدولي الإنساني.
وما شهدته قرية تل جنوب غرب نابلس من اعتداء دموي، أوقع شهداء وجرحى بين المدنيين الفلسطينيين، ليس سوى حلقة جديدة في هذا المسلسل الإجرامي المستمر، الذي يمتد من إحراق القرى والمنازل والمزارع، واقتلاع الأشجار، والاعتداء على السكان العزل، إلى الاستيلاء على الأراضي بقوة السلاح، وكل ذلك تحت حماية جيش الاحتلال، وفي ظل غطاء سياسي وتشريعي توفره الحكومة الإسرائيلية.
ويأتي هذا الإرهاب المنظم متزامنًا مع الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى المبارك، بحماية قوات الاحتلال، في محاولة لفرض وقائع جديدة تمس الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة. وهذا يؤكد أن الاعتداء على الإنسان الفلسطيني، والاستيلاء على الأرض، واستهداف المقدسات، ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات متكاملة في مشروع استيطاني واحد، يستهدف تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
ويكشف البيان الصادر عن جيش الاحتلال بشأن أحداث قرية تل حجم التلاعب بالرواية ومحاولة قلب الحقائق؛ فهو يقر بأن المستوطنين اقتحموا المنطقة دون تنسيق مسبق، لكنه يتجاهل أن اقتحام مستوطنين مسلحين لقرية فلسطينية هو جريمة وعدوان قائم بذاته، ثم يسارع إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية ما جرى، ليبرر حملة عسكرية واعتقالات واسعة في نابلس وقراها، بينما يغيب تمامًا أي حديث عن مساءلة المستوطنين الذين بدأوا الاعتداء.
إنها الرواية ذاتها التي تتكرر في كل مرة: يبدأ المستوطن بالعدوان، ويتدخل جيش الاحتلال لحمايته، ثم يُصوَّر الفلسطيني، الضحية، باعتباره المعتدي. وهكذا تتحول الجريمة إلى ذريعة لمزيد من القمع، ويصبح الإرهاب الاستيطاني أداة رسمية من أدوات الاحتلال لفرض الأمر الواقع بالقوة.
لقد تجاوزت حكومة الاحتلال مرحلة التغاضي عن إرهاب المستوطنين، وأصبحت شريكًا كاملًا فيه، من خلال توفير الحماية العسكرية، والتغطية السياسية، والتشريعات التي تشرعن الاستيطان، وتمنح المعتدين حصانة فعلية من الملاحقة والعقاب. وبذلك، فإن المسؤولية القانونية لا تقع على المستوطنين وحدهم، بل تمتد إلى الحكومة الإسرائيلية وقادة جيش الاحتلال وكل من يخطط أو يحرض أو يوفر الحماية لهذه الجرائم.
لقد اتخذت بعض الدول خطوات محدودة بفرض عقوبات على عدد من المستوطنين المتورطين في أعمال عنف، إلا أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لم تعد كافية ولا تتناسب مع طبيعة الجريمة، لأن الإرهاب لم يعد سلوك أفراد، بل أصبح سياسة رسمية تتبناها حكومة الاحتلال وتنفذها مؤسساتها. ومن ثم، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من معاقبة بعض المنفذين إلى مساءلة ومعاقبة من يصنع القرار ويوفر الغطاء السياسي والعسكري والقانوني لهذه الجرائم.
إن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، مطالب اليوم بالانتقال من مرحلة الإدانة اللفظية وإبداء القلق إلى مرحلة الفعل الملزم، عبر فرض عقوبات سياسية واقتصادية ودبلوماسية على حكومة الاحتلال، وعلى الوزراء والقادة العسكريين والمسؤولين المتورطين في الاستيطان وإرهاب المستوطنين، وملاحقتهم أمام القضاء الدولي، والعمل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يضمن وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب.
وفي الوقت ذاته، فإن توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، ومسؤولية المجتمع الدولي تجاه السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، الذين يواجهون يوميًا آلة قتل وإرهاب واستيطان لا تعرف حدودًا.
إن ما جرى في قرية تل ليس حادثًا عابرًا، بل شاهد جديد على أن الاحتلال ماضٍ في مشروعه الاستيطاني بالقوة، مستندًا إلى غياب المحاسبة الدولية. وإذا استمر هذا الصمت، فإن الضحية لن تكون فلسطين وحدها، بل ستتآكل أيضًا هيبة القانون الدولي، وستفقد منظومة العدالة الدولية ما تبقى لها من مصداقية.
فالدفاع عن الشعب الفلسطيني اليوم ليس دفاعًا عن شعب يرزح تحت الاحتلال فحسب، بل هو دفاع عن القانون الدولي، وعن ميثاق الأمم المتحدة، وعن القيم الإنسانية التي قامت عليها المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك، فإن وقف إرهاب المستوطنين يبدأ بوقف الحصانة التي يتمتع بها مرتكبوه، وبفرض عقوبات رادعة على حكومة الاحتلال ومسؤوليها، وبالعمل الجاد لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، حتى لا تصبح شريعة القوة بديلًا عن قوة الشرعية، ولا يتحول الصمت الدولي إلى شريك في الجريمة.
د. عبد الرحيم جاموس رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
24/7/2026 م