9 صفر 1448

الموافق

السبت 25-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "شهيدة الشرف"!
"شهيدة الشرف"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-25
"شهيدة الشرف"!

يُروى أنّه في سالف العصر والأوان، جُهِّز بعض الجنود من "مملكة قهر الإنسان" ليدخلوا قريةً تُدعى "شرفستان" للتنكيل بأهلها. وما إن وطئت أقدامهم تلك القرية المسكينة، حتى بادروا إلى اغتصاب نسائها جميعًا، إلّا امرأةً واحدة قاومت الجنديّ الذي حاول الاعتداء عليها، فقتلته وقطعت رأسه.
وبعد أن أنهى الجنود مهمّتهم وعادوا إلى معسكرهم، خرجت النساء من بيوتهنّ يلملمن ثيابهنّ الممزّقة، ودموع القهر تنهمر من أعينهنّ. أمّا تلك التي صانت شرفها، فقد خرجت مرفوعة الرأس، تحمل بين يديها رأس الجنديّ الذي عجز عن كسر إرادتها، ونظراتها تشي بعزّة النفس واحتقار الاستسلام، وقالت: "أكنتنّ تظنن أنّي سأتركه يغتصبني دون أن أقتله أو يقتلني؟"
عندها، تبادلت نساء القرية النظرات، وقرّرن التخلّص منها وقتلها، حتى لا تتعالى عليهنّ بشرفها، ولئلّا يُسألن يومًا: لماذا لم تقاومن كما قاومت؟ فانقضضن عليها غدرًا، وقتلنها دون أن يرفّ لهنّ جفن.
لقد قتلن الشرف ليحيا العار.
وهكذا يتكرّر المشهد في كلّ زمان: فالجريمة الأولى يرتكبها الغازي، أمّا الجريمة الثانية، وهي الأشدّ فتكًا، فيرتكبها الضحايا أنفسهم حين يتحوّل حضور الشريف بينهم إلى تهمة، وحين يصبح صمود الفرد الواحد إدانةً صامتة لاستسلام الجماعة. فليست العداوة للفاضل لأنّه أخطأ، بل لأنّه ذكّر الآخرين بما كان يمكن أن يكونوه، ولم يكونوه.
وهنا، لا تعود الحكاية مجرّد روايةٍ من زمنٍ غابر، بل مرآةً قاسية تعكس واقعًا يتكرّر بأقنعةٍ مختلفة؛ إذ كثيرًا ما يُقصى الشريف، ويُحارَب النزيه، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنّ وجوده يفضح عجز الآخرين، ويعرّي فسادهم، ويوقظ فيهم أسئلةً يخشون الإجابة عنها.
وعليه، هذا حال الفاسدين في مجتمعاتنا اليوم؛ يعزلون ويحاربون كلّ شريف، كي لا يكون شاهدًا على انحرافهم، ولا مرآةً تعكس قباحة أفعالهم بحقّ شعبٍ أنهكته الأزمات، حتى بات يلتقط فتات الخبز من معاجن القهر والحرمان.
والعبرة أنّ الأوطان لا تسقط يوم يدخلها الغزاة، بل يوم يقتل أبناؤها فيها آخر شريف بأيديهم، ظنًّا منهم أنّهم يتخلّصون من عارٍ، وهم في الحقيقة يدفنون آخر أملٍ لهم بالنجاة. فالنهضة الحقيقية لا تبدأ بمحاسبة الغازي وحده، بل بالكفّ عن قتل الشرفاء في الداخل، وبإعادة الاعتبار لكلّ من قاوم حين استسلم الجميع.
فيا ربّ، ارحم لبنان…

جنوبيات
أخبار مماثلة