تصدّر بيان قيادة الجيش اللبناني المشهد الداخلي، بعدما اتهم "إسرائيل" بعرقلة تنفيذ المهام الموكلة إلى المؤسسة العسكرية بموجب "اتفاق الإطار"، في ظل استمرار الاعتداءات على الجنوب وعمليات التفجير والتجريف التي تطال القرى والبلدات الواقعة ضمن المنطقة الأمنية.
وبحسب مصادر متابعة، فإن البيان حمل أكثر من رسالة سياسية، إذ أدان الانتهاكات الإسرائيلية، ولوّح في الوقت نفسه إلى تقصير السلطة السياسية في مواكبة هذا الواقع، كما أكد جهوزية الجيش لتنفيذ خطته المتعلقة بحصر السلاح، شرط التزام "إسرائيل" بتنفيذ موجباتها، بما يسمح باستكمال تنفيذ الاتفاق. واعتبرت المصادر أن البيان يشكل جرس إنذار يسبق الجولة الثانية من محادثات روما المقررة في 4 آب، والتي يُعوّل عليها في حال نجحت الضمانات الأميركية في الضغط على "إسرائيل" لوقف اعتداءاتها والانسحاب من المناطق المحتلة.
وفي هذا السياق، نقلت "النهار" عن مصدر وزاري تأكيده أن العلاقة بين القيادتين السياسية والعسكرية تقوم على تنسيق كامل، مشيراً إلى أن قيادة الجيش تتمتع بهامش واسع لاتخاذ التدابير الميدانية التي تراها مناسبة، بما يحفظ سلامة العسكريين ويمنع الاحتكاك مع الأهالي أو أي تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية.
من جهتها، نقلت "الديار" عن مصادر واسعة الاطلاع أن لجوء قيادة الجيش إلى إصدار بيانها التصعيدي جاء بعد استنفاد قنوات الاتصال السياسية والدبلوماسية التي سعت خلال الفترة الماضية إلى دفع "إسرائيل" للالتزام بتعهداتها، ولا سيما في ما يتعلق بالمناطق التي يفترض أن ينتشر فيها الجيش.
وأضافت المصادر أن توقيت البيان لم يكن عفوياً، بل جاء قبيل الاجتماع المرتقب في روما بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، بهدف توجيه رسالة واضحة بأن استمرار الخروقات لم يعد مقبولاً، في ظل قناعة رسمية بأن "إسرائيل" تحاول التنصل من التزاماتها، فيما يبقى الوسيط الأميركي الجهة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط فعلي لإلزامها بتنفيذ الاتفاق.
ولم تستبعد المصادر أن تمارس "إسرائيل" خلال اجتماع روما ضغوطاً على الجانب اللبناني للمطالبة بتوسيع مهام الجيش، ولا سيما في ما يتعلق بضبط مخازن ومستودعات الأسلحة التابعة لـ"حزب الله"، سواء في تلة علي الطاهر أو في مناطق أخرى. لكنها شددت على أن الموقف اللبناني سيكون واضحاً، ومفاده أن أي بحث في خطوات إضافية يجب أن يسبقه تنفيذ "إسرائيل" التزاماتها، وفي مقدمتها الانسحاب من مزيد من البلدات الجنوبية.
وأشارت المصادر إلى أن الانسحاب الإسرائيلي اقتصر حتى الآن على بلدة زوطر الغربية، فيما لا يزال الوضع الأمني فيها هشاً نتيجة استمرار الاعتداءات والخروقات، الأمر الذي يحول دون عودة الأهالي بصورة طبيعية، ما يدفع بيروت إلى التمسك بتنفيذ "إسرائيل" التزاماتها أولاً باعتبارها المدخل لاستكمال بقية بنود "اتفاق الإطار".
في المقابل، كتبت "الأخبار" أن القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحظى بمتابعة استثنائية في بيروت، نظراً إلى انعكاساتها المحتملة على الملف اللبناني، سواء لجهة ممارسة ضغوط أميركية على "إسرائيل" أو لجهة منحها هامشاً أوسع للتصعيد.
وأشارت الصحيفة إلى أن الجنوب شهد تصعيداً إسرائيلياً متواصلاً، تخللته غارات وعمليات عسكرية استهدفت النبطية وكفرتبنيت وتلة علي الطاهر وميس الجبل وعيترون وبرعشيت ومركبا وحداثا، إلى جانب عمليات تفجير للمنازل وتجريفها، واستهداف للبنية التحتية، ولا سيما محطة المياه الرئيسية في مركبا، إضافة إلى استمرار أعمال الهدم في نبع إبل وإطلاق النار قرب مواقع انتشار الجيش اللبناني.
وفي موازاة التصعيد الميداني، رفعت "إسرائيل" سقف مواقفها السياسية، إذ ربط نتنياهو أي تفاهم بشأن لبنان بقدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته على المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، في محاولة لربط الانسحاب بتقييم "تل أبيب" لأداء الجيش، بما يسمح لها بالإبقاء على وجودها العسكري أو العودة إلى تلك المناطق تحت عنوان "التحقق الأمني".
وتبقى هذه النقطة محور الخلاف الأساسي في المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، إذ تصر "إسرائيل" على الاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات تفتيش داخل القرى الجنوبية، فيما يرفض الجيش اللبناني هذا الطرح بشكل قاطع، بانتظار الجولة السابعة من المفاوضات المقررة في روما في 4 آب برعاية أميركية.
من جهة أخرى، سلطت "الشرق الأوسط" الضوء على واقع بلدة زوطر الغربية، التي تحولت إلى نموذج للدمار الذي أصاب قرى الجنوب، إذ لم يكن الانسحاب الإسرائيلي كافياً لإعادة السكان إلى منازلهم في ظل الدمار الواسع وغياب الخدمات الأساسية، فيما لا تزال المنطقة الفاصلة بين زوطر الغربية وزوطر الشرقية خارج متناول الأهالي.
وأضافت الصحيفة أن هاجس أبناء الجنوب لم يعد يقتصر على إعادة الإعمار، بل بات يشمل مستقبلهم ومستقبل أولادهم، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق، ومنع العودة إلى أخرى، والخشية الدائمة من تجدّد الحرب، ما يضع آلاف العائلات أمام حالة من الضياع والعجز عن اتخاذ قرارات تتعلق بالسكن أو العمل أو تعليم أبنائهم.
وفي بيانه، ندّد الجيش اللبناني باستمرار القوات الإسرائيلية في ارتكاب الاعتداءات والخروقات في جنوب لبنان، متهماً إياها بتنفيذ عمليات تدمير وتجريف للمنازل، وقصف وتمشيط بالأسلحة الرشاشة في عدد من المناطق، معتبراً أن هذه الانتهاكات تعرقل استكمال انتشار الجيش وفق "اتفاق الإطار"، وتمنع عودة الأهالي إلى قراهم وإرساء الاستقرار في الجنوب.
كما اتهم الجيش القوات الإسرائيلية بإطلاق النار قرب نقاط تمركزه في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية، مؤكداً في الوقت نفسه مواصلة مواكبة عودة الأهالي إلى زوطر الغربية، وتنفيذ مهماته في البلدة، إضافة إلى منطقتي فرون وصريفا، حفاظاً على سلامة المواطنين.