11 صفر 1448

الموافق

الإثنين 27-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة الاستيعاب لا الصدام!
الاستيعاب لا الصدام!
رامي الريس
2026-07-27
الاستيعاب لا الصدام!

 

صحيحٌ أن الترجمة السياسيّة والعمليّة لزيارة رئيس الجمهورية اللبنانيّة جوزف عون إلى البيت الأبيض سوف تتطلب وقتاً وجهوداً مكثفة للعديد من الأسباب، ولكن الصحيح أيضاً أن الشكل له تأثيره في العلاقات بين الدول، خصوصاً عند رئيس غير قابل للتنبؤ مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف عنه تغليبه في بعض الأحيان الجانب الشخصي على الشق المؤسساتي في علاقاته مع رؤساء الدول والحكومات حول العالم، ذلك أن مشهد تقريع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في المكتب البيضاوي أمام عدسات الإعلام لا يزال ماثلاً في الأذهان.

من هنا، لا يمكن القفز فوق الاعتبارات الشكليّة التي تفعل فعلها في القمم بين الرؤساء، خصوصاً بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان، لا يملك سوى سمعة أبنائه الناجحين في كل أقاصي الأرض، الذين يندمجون في المجتمعات التي يهاجرون إليها ويصلون إلى أعلى المناصب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وحتى اللحظة، يبدو أن المقولة القديمة الشهيرة "قوة لبنان في ضعفه" قد عادت لتطل برأسها على الواقع اللبناني خصوصاً مع سقوط كل الشعارات المتصلة بتوازن الردع وما إلى ذلك من العناوين التي صارت غير ذات مغزى بعد حربي 2024 و2026. ولكن، مهما يكن من أمر، هو شعار سيء للغاية والعودة إليه غير مقبولة.

وإذا كان صحيحاً أن لبنان لن يتمكن من بناء ترسانة عسكريّة لحماية أرضه وحدوده أسوة بسائر الدول، ولكن الاتكال حصراً على "أصدقاء لبنان" كما اقترح أحد السياسيين ليس هو الحل أيضاً. لا يمكن بناء ديبلوماسية دولة معينة وسياستها الخارجيّة فقط على "الصداقات"، فليس ثمة صداقات دائمة في السياسة، إذ ما قد يتطابق مع مصلحة دولة ما في لحظة، قد يتغيّر في وقت لاحق دون تفسير أو تبرير.

ولكن، ما يوازي القمة الأميركيّة- اللبنانيّة بالأهميّة، هو الكلام السياسي الهام الذي قاله رئيس الجمهوريّة في إحتفال السفارة اللبنانيّة في واشنطن والذي عكس فيه فهماً عميقاً للمعضلات الماثلة أمام الوضع الراهن، وسبل تجاوزها بما يوفق بين تحقيق المصلحة الوطنيّة العليا والسيادة وحصر السلاح بيد الدولة، وبين عدم تفجير الوضع الداخلي أو نقل الصراع إلى الساحة المحليّة بما يؤثر على الاستقرار والسلم الأهلي.

وكلام الرئيس عن أن حزب الله ليس فرقة مرتزقة كلام مهم، فهؤلاء هم أبناء الجنوب، حتى ولو وقع الخلاف معهم من قبل قسم كبير من اللبنانيين، وحتى لو أن عقيدتهم الدينيّة صارت جزءاً من مشروع سياسي تتعدّى مرتكزاته حدود لبنان وقدراته. فالتعامل مع هذه الحالات لا يكون بالصدام العسكري (الذي لن يُكتب له النجاح أصلاً وسيحول مجريات الصراع من موقع إلى آخر)، بل بالاستيعاب، وهو لا يتحقق إلا من خلال رؤية متكاملة يمكن من خلالها إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني وبين الدولة.

إن الهوّة بين تلك المكونات والدولة آخذة في الاتساع للعديد من الأسباب: منها ما يتعلق بالعقيدة التي تشربتها شرائح معيّنة وليس من السهل عليها تجاوزها أو مناقضتها بطروحات مقابلة سياسياً أو إجتماعياً وبطبيعة الحال دينياً ومنها ما هو مرتبط بتراكمات تاريخيّة تتعلق بعدم قدرة الدولة (وأحياناً عدم إكتراثها) لحماية الجنوب وأهله وتركه عرضة للاعتداءات الإسرائيليّة (حتى في مرحلة ما قبل نشوء حزب الله)، ومنها ما هو مرتبط أيضاً بضعف الدولة وامكانياتها وتمركز اقتصادها في العاصمة والمدن الكبرى وإهمالها المتعمد أو غير المتعمد للأرياف والزراعة والحرف والصناعات المحليّة الخفيفة التي تساعد في صمود أبناء المناطق في أرضهم.

لذلك، يبدو تزامن الخطوات في المرحلة المقبلة مسألة ضرورية على ضوء الردم التدريجي لتلك الهوة السحيقة المشار إليها أعلاه، وهي تتمحور حول ضرورة أن تتولى الدولة ملء الفراغ مباشرة على المستوى السياسي والأمني والإقتصادي، وأن تبادر إلى الحضور حيث كانت غائبة منذ زمن. والخطوة الرمزية التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام بغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية عقب الانسحاب الإسرائيلي تصب في هذا الإطار، وثمة حاجة أن تُستكمل بخطواتٍ مماثلة على مختلف المستويات.

وإذا كان هذا جانب من المطلوب على المستوى الداخلي، فإن المطلوب خارجياً هو دعم الجيش اللبناني باعتباره الحصن المنيع للسلم الأهلي، بما يمكنه من القيام بواجباته في هذا المجال، وفي المجال الموازي المتصل بحصر السلاح الذي لا بد من تحققه تطبيقاً لاتفاق الطائف قبل أن يكون تطبيقاً لهذا المطلب الخارجي أو ذاك، ودرءاً للمزيد من الحروب المتفلتة من أي ضوابط والتي أتت على دمار البلد وانكساره مراراً وتكراراً.

إن تقوية الجيش اللبناني وتعزيز قدراته وبنائها هو بمثابة حجر الزاوية للمرحلة المستقبليّة، دون المس بعقيدته القتالية أقله ليس قبل جلاء الصورة الجنوبيّة والانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة الأرض المحتلة. وحدها الدولة هي الضامن الأساسي لجميع اللبنانيين حتى ولو أنها لا تملك في هذه اللحظة السياسيّة القدرة على توفير المظلة الآمنة بالكامل، بل إن جانباً من قدرتها على القيام بواجبها متصل بقدرتها على جمع اللبنانيين حول مشروعها لأن كل المشاريع الموازية أثبتت فشلها الذريع.  

Levant Time
أخبار مماثلة