11 صفر 1448

الموافق

الإثنين 27-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "لبنانيّ بالفطرة"!
"لبنانيّ بالفطرة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-27
"لبنانيّ بالفطرة"!

كيف تميّز اللبنانيّ عن سائر خلق الله؟

إنّه يفهم في الطبّ، ويشخّص المرض، ويحدّد مصدر العلّة، ويصف الدواء. ويفهم في الكهرباء، وتصليح السيّارات، وطهي الطعام، وينظّر في السياسة، ويشرح القانون ويفسّره، ويعرف تمامًا ما يجب فعله في كلّ مناسبة، ويفقه في الدين، ويُجري الحسابات، وهو معلّق رياضيّ من الطراز الرفيع في كرة القدم وكرة السلّة.

يضع جهاز التحكّم عن بُعد (الريموت كنترول) في كيسٍ من النايلون كي لا يتغبّر، لكنّه لا يكاد يستقرّ على محطّة واحدة، فيتنقّل بينها عشرات المرّات في الدقيقة الواحدة.

وعندما ينتهي من زيارة أحدهم، يبقى واقفًا عند الباب نصف ساعة أخرى، يستكمل خلالها الحديث في آخر المستجدّات!

وفي خزانة مطبخه عشرات مرطبانات المربّى الفارغة، يحتفظ بها بحجّة أنّه قد يحتاج إليها يومًا ما، ومع ذلك لا يتوقّف عن جمع المزيد.

يتأخّر عن موعده ساعة كاملة، ويبرّر ذلك دائمًا بـ«عجقة السير». وإذا أجرى مكالمة هاتفيّة دوليّة، رفع صوته وكأنّ المسافة تُختصر بعلوّ النبرة!

ويعتقد أنّه سيّد المفاصلة في الأسواق، ثمّ يكتشف، بعد كلّ هذا الجهد، أنّ المتجر المجاور يبيع السلعة نفسها بسعر أقلّ، ومن دون أيّ مفاصلة.

ويحتفظ بأكياس محالّ الألبسة والأحذية، وأوراق الهدايا، تحت فرشة السرير سنوات طويلة، وكأنّها جزء من مقتنيات لا يجوز التفريط بها.

ويطفئ سيجارته في فنجان القهوة، رغم وجود المنفضة إلى جانبه!

والأنكى من ذلك أنّه، عندما تنتهي علبة العلكة، ينفخ فيها وكأنّها زمّور، وعندما يفرغ من شرب هرم العصير، ينفخه ثمّ يفجّره، وكأنّ هذه الطقوس جزءٌ لا يتجزّأ من متعة الطفولة التي لم تغادره.

والأغرب أنّه، عندما تفرغ قنّينة الشامبو، يملؤها بالماء ليستخرج آخر قطرة منها، ثمّ يستعملها في حمّام آخر، إيمانًا منه بأنّ الهدر خطيئة لا تُغتفر!

هؤلاء هم اللبنانيّون... شعبٌ قد يبالغ أحيانًا، ويبتكر كثيرًا، ويضحك من نفسه قبل أن يضحك الآخر. يجمع بين خفّة الظلّ، وحبّ الحياة، والقدرة العجيبة على التكيّف مع أصعب الظروف. ولعلّ سرّ بقائه، رغم كلّ ما مرّ به، أنّه يحوّل تفاصيل الحياة اليوميّة إلى حكاياتٍ تُروى، والمواقف العاديّة إلى ابتساماتٍ لا تنطفئ.

إنّهم اللبنانيّون يا عزيزي... لا خوف عليهم، ما دام في قلوبهم فسحةٌ للأمل، وعلى شفاههم متّسعٌ للابتسام.

جنوبيات
أخبار مماثلة