12 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 28-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات منوعات محمد الكرد يفكك صورة الفلسطيني المقبول غربياً في "الضحايا المثاليون"
محمد الكرد يفكك صورة الفلسطيني المقبول غربياً في "الضحايا المثاليون"
2026-07-28
محمد الكرد يفكك صورة الفلسطيني المقبول غربياً في "الضحايا المثاليون"

يطرح كتاب "الضحايا المثاليون" (ترجمة: سمير سكيني، دار الآداب، بيروت، 2026)، للشاعر والصحافي الفلسطيني محمد الكرد، الكيفية التي تُقدَّم بها القضية الفلسطينية في الخطاب الغربي. فالكتاب يسائل الإطار الفكري والأخلاقي الذي يُطلب من الفلسطيني أن يتحرك داخله كي يُعترف بإنسانيته وحقوقه. ومن هنا، يطرح الكرد سؤالاً جوهرياً: لماذا يُجبر الفلسطيني باستمرار على إثبات أنه يستحق الحياة، بينما تُعامل حقوقه بوصفها امتيازاً مشروطاً لا حقاً أصيلاً؟

حاز الكتاب بنسخته الإنكليزية جائزة كتاب فلسطين لعام 2025، كما تصدّر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، لما يقدمه من قراءة نقدية تتجاوز السرديات التقليدية. ويرى الكرد أن جزءاً كبيراً من الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي يتعامل مع الفلسطيني  بوصفه مطالباً دائماً بإقناع الآخرين ببراءته وأحقيته في الوجود. وهكذا تتحول معاناة الفلسطيني إلى مادة تحتاج باستمرار إلى الشرح والتبرير، بدلاً من أن تكون دليلاً كافياً على الظلم الواقع عليه.

يمزج بين السرد الشخصي والصحافة الاستقصائية والتأملات الفكرية

يخصّص المؤلف مساحة واسعة لنقد ما يسميه "سياسات الاستعطاف" وهي الآليات التي تُقدَّم من خلالها الضحية بصورة تستجيب لتوقعات الجمهور الغربي. ففي كثير من الأحيان، يُبرز الفلسطيني عبر سيرته الأكاديمية أو جنسيته الأجنبية أو مهنته أو صفاته الشخصية، وكأنّ هذه العناصر هي التي تمنحه قيمة إنسانية إضافية. ويجادل الكرد بأنّ هذا المنطق يرسّخ معياراً مختلاً.

ويذهب الكتاب إلى أنّ هذا الخطاب يفرض على الفلسطيني ثنائية قاسية: فإما أن يُصنَّف إرهابياً، أو أن يتحول إلى "ضحية مثالية" هادئة، منزّهة عن الغضب والمقاومة، لا تبدي سوى الألم والصبر. غير أنّ الكرد يرى أن هذه الصورة مستحيلة في الأصل، لأن المنظومة الاستعمارية لا تبحث عن ضحية مثالية بقدر ما تواصل تغيير شروط الاعتراف بها، بحيث يبقى الفلسطيني دائماً في موقع المتهم الذي لا يستطيع إثبات براءته بصورة نهائية.

كما يتوقف المؤلف عند اللغة التي تستخدمها وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية في تغطية ما يجري في فلسطين، معتبراً أنها تلعب دوراً أساسياً في إعادة تشكيل الواقع. فالأفعال تُصاغ غالباً بصيغة المبني للمجهول، وتختفي الجهة المسؤولة عن القتل أو التهجير، بينما تُقدَّم الأحداث باعتبارها وقائع مجردة أو "اشتباكات" و"أعمال عنف"، بما يخفف من وضوح المسؤولية السياسية والأخلاقية. ويرى الكرد أنّ هذا الاستخدام اللغوي يساهم في إفراغ الجرائم من سياقها الاستعماري وتحويل الفلسطيني إلى متلقٍّ للأحداث، فاقدٍ حتى لحق التعبير عن غضبه أو رفضه.

يمثّل أسلوب الكتاب أحد أبرز عناصر قوته، إذ يمزج محمد الكرد بين السرد الشخصي والصحافة الاستقصائية والتأملات الفكرية والنثر الأدبي، في نص يتنقل بسلاسة بين التجربة الذاتية والتحليل السياسي. كما يمنح الهوامش المكتوبة بالعربية والإنكليزية وظيفة تتعدى الإحالة المرجعية، لتصبح مساحة يضمّنها الدعابة والأمثال الشعبية والذكريات، مؤكداً أن الرواية الفلسطينية لا تحتاج إلى وسطاء يمنحونها الشرعية، بل تمتلك مشروعيتها من تجربتها الإنسانية نفسها.

أخبار مماثلة