8 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 22-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

المفاوضات أم الحرب
2026-08-22
المفاوضات أم الحرب

 لا ندعو لإستفتاء اللبنانيين على هذين العنوانين: الحرب أم المفاوضات، لأننا نعرف مسبقا، أن جميع اللبنانيين لا يريدون الحرب، حتى من بيده بندقية حربية، وتربى على «العنتريات»، وعلى «القبضنة»...وظل كعادته،  ينقلها من كتف إلى كتف، بعدما يخسر المراهنة في كل حرب.

 ما دخل اللبنانيون حربا ألا كانت وبالا عليهم. ألحقت بهم الأذى المادي والأذى المعنوي. لا نريد أن نعيد على مسامعهم، سردياتهم الحربية، وكيف إنتهت بهم إلى المهاوي، وإلى الخسائر المدوية. بل نريد أن نقابل فقط صورة بصورة:

 اللبنانيون ولبنان، قبل أية حرب.  ثم ننظر بعد ذلك إلى الصورة التي كانوا فيها بعد الحرب. 

صورة بشعة وقاتلة، هي صورة اللبنانيين بعد جميع الحروب التي خاضوها من أول القرن الماضي حتى اليوم. ولذلك تراهم يذرفون الدموع، حين يرون البقاع وزحلة. والجبل وصوفر وبحمدون وعاليه وبرمانا وبيت مري. والجنوب وجباع وجرجوع. والشمال و إهدن وسير وبخعون وبشري والحدث والأرز. وعكار وبزبينا وبينو ورحبة وعين يعقوب. ناهيك عن طرابلس وجبيل والبترون وبيروت وصيدا وصور  وجبل عامل وبنت جبيل والنبطية والخيام، وكيف كانت كل هذة البلاد تتراقص في الصيف. وكيف كان يهدهدها موج البحر وأنسام الجبل في الليل.

اقتناء الخرائط والأطلس الجغرافي

 وكلما كان اللبنانيون يستهترون بما في يدهم ويضيعونه، وتجرهم أطماعهم إلى الحرب من جديد، كانوا سرعان ما يخرجون منها، ورأسهم لا «إلى فوق، بل إلا تحت».  كانت الحرب تحرق الزرع والضرع. وكانت المدن والقرى الجميلة، تخرج مهشمة من خنادقها. وكانت الخسائر تغرقهم بالديون. وكانت السبل تتقطع بهم، حتى تكاد لا تقيلهم سابلة. فيجلسون على قارعة الطريق، يندبون حظهم، وخسارة ما كان بأيدهم من القز و العز.

 طوال قرن من الزمن، كانت حروب اللبنانيين كلها خاسرة. مضى الزمن بهم، حين كانوا يقاتلون بالسيف  والترس. ويعتلون الخيول السابحة. مثل رجال فخرالدين ورجال الأمير بشير. مضى ذلك الزمن القديم إلى غير رجعة.  وصار المطلوب اليوم أن نفكر مليا، أن كل حرب نخوضها، هي حتما من الحروب الخاسرة. فقد تغيرت المعادلات، وصار على مثلنا، أن نعود إلى طريق الرشد، فلا نودي بأنفسنا إلى الهلاك ولا إلى التهلكة.

فيما مضى، كان العالم إلى جانبنا.  وكنا حين نزج بأنفسنا في الحرب، ويصير الأعداء في قرانا وفي مدننا، كنا نحرجهم بالمفاوضات ونخرجهم من أرضنا. فكم من مرة دخلوا علينا. ومكثوا لسنوات وسنوات. وكنا نخرجهم بالمفاوضات ونجبرهم على الإنصياع إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة. لأننا كنا نغلبهم بالكلمة.  والعالم كله معنا.


د. قصي الحسين

كم مرة إجتاح الأعداء الجنوب فوصلوا إلى الجبل. ووصلوا إلى بيروت. وكنا حين تعجزنا الحرب، ندخل المفاوضات. وكانت المفاوضات هي السبيل لتحرير أرضنا، وكل قول غير ذلك، هو من قبيل الإدعاء و»الوجهنة». 

لا سبيل لنا إلا المفاوضات، بعد هذة الحرب التي أيقظت العدو علينا.  وجعلت العالم، يخرج منا ويدعنا وشأننا، لأننا لم نصغ، إلى العقلاء من أصدقائنا. فبدأنا بالحرب مرتين، ونحن نقول: الكلمة للميدان... وكأننا «عناتر» زماننا...

 أغرقتنا جميع الحروب التي مضت على رأسنا بالديون،  وخصوصا هذة الحرب الأخيرة الهجينة و  واللئيمة..

رحلت شعبنا إلى دور الإيواء، وخيم النزوح.  وجعلتنا على قارعة الطريق في رابعة النهار، نستجدي الكلمة واللقمة. ولا نزال نتعنت  ونرفض المفاوضات، وقد خسرنا في جميع المواقع والمعارك، وإنسحبنا وكلفنا «الأخ الأكبر»، بالتوقيع عنا. وظل العدو متحكما بنا. يطالبنا بما تعهدنا. وبيده ورقة وقف النار. يلوح لنا بها. وكانت خسائرنا بالجملة. فعلام نناور وإلى متى، وقد أوقعنا أنفسنا في موقعة جرت ندما وأعقبت سدما. لا شأفة لنا فيها، ولا رحمة.

المفاوضات، ثم المفاوضات. وقد إنقطعت الطريق بالذاهبين إلى الحرب رغما عنهم. فهل نظل ننتظر النهوض من حفائرها، ونطلب الحرب من جديد،  و»نشهي» العدو، بالعودة إلى بيروت والجبل والضاحية، بالطائرات وبجنازير الدبابات، ونحن لا نستطيع أن نكاشف أبناءنا بحقيقة أمرنا. وحقيقة خسئنا.

 تعالوا إذن إلى كلمة سواء بيننا. تعالوا إلى المفاوضات. فقد جربنا جميع الحروب. وأنتم شهود اليوم على واقعنا المأزوم بها. كما على حقيقة أمرنا.

 فرحمة بأبنائنا وأجيالنا القادمة: لا تسقطوا ورقة المفاوضات من يدنا. فلا بديل عنها غير الحرب، وخسارة ما تبقى لنا...


أخبار مماثلة