في مرحلة مفصلية يتنازع فيها لبنان خياران لا يلتقيان: أحدهما “مسخ” يريد إبقاءه أسير السلاح والأنفاق، والآخر وطني يسعى إلى إعادته إلى كنف الدولة والاستقرار، اختارت الشرعية أن ترفع سقف حضورها الخارجي والداخلي. من روما إلى صور، تكامل المشهد أمس: رئيس الجمهورية جوزاف عون يُحصّن مطالب لبنان وحقوقه على المستوى الدولي، ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب وزير الدفاع ميشال منسّى، يؤكدان من الجنوب أن زمن الساحات السائبة يجب أن ينتهي.
في المحطة الإيطالية، التقى عون رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وبحث معها العلاقات الثنائية والأوضاع في لبنان، ولا سيما في الجنوب، مشددًا على ضرورة الضغط على إسرائيل للالتزام باتفاق الإطار. كما شكر إيطاليا على دعمها للبنان واستضافتها المفاوضات الثلاثية ودورها في تثبيت الاستقرار، فيما تناول البحث مرحلة ما بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل” والتطورات الإقليمية. وكان عون التقى أيضًا الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا.
وفي قراءة لهذا الحراك الرئاسي، أشار مصدر رسمي لـ”نداء الوطن” إلى أن الوضع اللبناني خطير، وأن الرئيس عون يحاول فعل المستحيل لإنقاذه، ولذلك يتواصل مع أعلى المرجعيات الدولية، وفي مقدمها الولايات المتحدة والفاتيكان، إدراكًا منه أن الذهاب إلى حرب جديدة سيكون باهظ الثمن، ولن يكون لبنان قادرًا على تحمّل أكلافها. في المقابل، لفت المصدر إلى أن “حزب الله” يعمل على ضرب مسار رئيس الجمهورية، لافتًا إلى أن قضية تلة علي الطاهر تشكّل أبرز دليل على ذلك، إذ يرفض “الحزب” تسليمها إلى الجيش اللبناني، ويفضّل أن تسقط في يد الإسرائيلي بدل أن تنتقل إلى سلطة الدولة. وأوضح المصدر أنه، على الرغم من نجاح زيارة عون إلى الفاتيكان وروما والتفهّم الأميركي للوضع اللبناني، فإن ذلك لا يعني أن طريق الحل بات سالكًا، في ظل تمسّك إيران بالاحتفاظ بالورقة اللبنانية. لذلك، لا تزال الصورة غير واضحة، فيما لم تنضج شروط الحل بعد.
واشنطن ترفض التمديد
وفي موازاة الحراك الدبلوماسي، تحتل الترتيبات الأمنية في الجنوب، ولا سيما مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، حيّزًا أساسيًا من جهود الدولة. وفي هذا الإطار، قال متحدث باسم وزارة الخارجية لـ”نداء الوطن” إن “واشنطن لا تؤيد تمديد ولاية اليونيفيل التي فشلت في مهمتها”، مشيرًا إلى أن “حزب الله بنى بنية تحتية عسكرية ضخمة في المحيط المباشر لمواقعها، مستغلا في بعض الأحيان وجود قواتها على مقربة منه لحماية منشآته وعملياته”.
وإذا كان عون يخوض معركة السيادة من بوابة العلاقات الدولية، فإن الرسالة نفسها انتقلت إلى أرض الجنوب، حيث زار رئيس الحكومة نواف سلام ثكنة بنوا بركات في صور، يرافقه الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، وكان في استقباله وزير الدفاع ميشال منسّى وعدد من كبار الضباط.
السيادة تطوي "الخلاف"
وحملت الزيارة، إلى جانب بعدها السيادي، دلالة سياسية داخلية، إذ طوت صفحة “النزاع” العابر بين سلام ومنسّى على خلفية جلسة العفو النيابية. وأشارت مصادر مواكبة إلى أن المياه عادت إلى مجاريها بينهما، وأن رهان “الممانعة” على استثمار السجال وتحويله إلى مدخل لتفجير الحكومة من الداخل مُني بخيبة أمل.
ومن صور، أكد سلام أن “كل موقع ينتشر فيه الجيش في الجنوب هو موقع تستعيد فيه الدولة سلطتها وهيبتها”، مشددًا على أن استعادة السيادة لا تكون إلا “بدولة قادرة وجيش واحد قوي”. وأضاف أن المطلوب أن يكون الجنوب، ككل لبنان، تحت سلطة واحدة، وأن تستعيد المؤسسات الدستورية قرار الحرب والسلم. وتوجّه إلى العسكريين بالقول: “حافظوا على وحدة الجيش، ولا تسمحوا لأهواء السياسة بأن تفرق بينكم، ولا تقبلوا إلا بالدستور والقانون مرجعًا لكم”. وتابع: “إذا أراد اللبنانيون أن ينجحوا في إخراج البلاد من كبوتها، فلا خيار لهم سوى أن يكون لهم جيش واحد وعلم واحد ودولة واحدة”.
من جهته، أكد منسّى أن الزيارة تهدف إلى “التأكيد على موقفنا الثابت لاسترجاع سيادة الدولة”، مشددًا على أن الهدف الأول من المفاوضات هو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، ومشيدًا بدور الجيش ووحدته وقدرته على أداء مهامه رغم الظروف الصعبة.
الخناق الأميركي يشتد على "الحزب"
وفي موازاة تثبيت حضور الدولة سياسيًا وميدانيًا، يتصاعد الضغط الأميركي على البنية المالية والسياسية لـ”حزب الله”. فقد أشارت مصادر أميركية لـ”نداء الوطن” إلى أن العقوبات التي طالت أفرادًا متهمين بنقل مئات الملايين من الدولارات بين إيران و”الحزب” عبر لبنان وتركيا والإمارات، تهدف إلى قطع شبكات التمويل الإيرانية، في إطار حملة أوسع لإضعاف وكلاء طهران ودعم حصرية السيطرة السياسية والأمنية للدولة اللبنانية. وترى المصادر أن الخطوة تحمل رسالة إلى السلطة اللبنانية، مفادها أن التعامل مع “حزب الله” باعتباره جزءًا من النسيج الوطني أو “حركة مقاومة” لم يعد مقبولًا لدى واشنطن، وأن استمرار ترسانة “الحزب” المسلحة وتمويله المستقل وارتباطاته الخارجية باتت ملفات يتعيّن على الدولة معالجتها.