8 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 22-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات منوعات نازحو لبنان... عودة مؤجلة وخطة حكومية لتقليص مراكز الإيواء
نازحو لبنان... عودة مؤجلة وخطة حكومية لتقليص مراكز الإيواء
2026-08-22
نازحو لبنان... عودة مؤجلة وخطة حكومية لتقليص مراكز الإيواء

 

لا يزال مئات الآلاف في لبنان بحكم النازحين منذ فترة طويلة، يعجزون عن العودة إلى بلداتهم، رغم وقف إطلاق النار الهشّ، إن بسبب خسارة منازلهم وأرزاقهم أو بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي، فيما تبقى المعاناة وحالة الترقب والانتظار الخيار الوحيد إلى حين إيجاد حلول جذرية تضمن لهم سقفاً يؤويهم وحياة آمنة.

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ في يونيو/ حزيران الماضي، بدأت مشاهد العودة تتكرر في عدد من قرى وبلدات جنوبي لبنان. فتحت بعض العائلات أبواب منازلها مجدداً، أو ما تبقى منها، وعادت لتتفقد أراضيها وأحياءها بعد أشهر من النزوح فرضتها الحرب الإسرائيلية التي تجدّدت في 2 مارس/ آذار الماضي. لكن هذه العودة لم تكن شاملة، إذ لا يزال أكثر من 400 ألف نازح في شتّى أنحاء لبنان ينتظرون لحظة الرجوع، بمن فيهم 30 ألف شخص يقيمون في مراكز إيواء جماعية، بحسب تقرير الأمم المتحدة في 21 يوليو/ تموز 2026. فيما تحُول المنازل المدمّرة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من البلدات الحدودية، دون إنهاء واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها لبنان في الأعوام الأخيرة.

ورغم عودة عدد من السكان، غير أنّ البلدات لا تزال تحمل آثار الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب. فشبكات المياه والكهرباء والطرقات تعرضت لأضرار كبيرة، والخدمات الأساسية لم تستعد عافيتها بعد، فيما يجد كثيرون أنفسهم أمام منازل مهدّمة بالكامل أو متضررة إلى درجة تجعل السكن فيها مستحيلاً.

"لا منزل يؤوينا ولا بديل"
لا يزال آلاف النازحين يقيمون في مراكز الإيواء المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، والثقل الأكبر في العاصمة بيروت وفي مدينة صيدا جنوباً. ويعود ذلك إلى سببين أساسيين؛ الأول تدمير منازلهم بالكامل، بما يحرمهم من أي مكان يعودون إليه، والثاني استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يمنع جيش الاحتلال الإسرائيلي السكان من العودة إليها حتى الآن.

تتحدر وردة فضل الله من بلدة عيناتا في قضاء بنت جبيل، وتقيم منذ 2 مارس الماضي في معهد بئر حسن الفني (بيروت)، وتقول لـ"العربي الجديد": "غادرت عائلات كثيرة إلى قراها، لكننا ما زلنا ننتظر دورنا. نشتاق كثيراً إلى بلدتنا، ونأمل أن نعود إليها قريباً، وأن نغادر مركز الإيواء الذي صار حياتنا اليومية منذ أشهر".

قدر النزوح، صيدا، 15 أغسطس 2026 (محمد أبو شامة/ الأناضول)
قدر النزوح، صيدا، 15 أغسطس 2026 (محمد أبو شامة/ الأناضول)

وفي ثانوية مصطفى الزعتري الرسمية في صيدا، يُخبر نازحون من قرى لبنانية محتلة، مثل حولا وزوطر الشرقية وبعض قرى وبلدات محافظة النبطية (جنوب) أنّهم أُمهلوا حتى منتصف أغسطس/ آب الجاري لمغادرة مركز الإيواء المذكور. ويشرح بعضهم لـ"العربي الجديد" أنهم نزحوا خلال الحرب الأولى من القرى الحدودية إلى بلدات في محافظة النبطية، ثم عادوا إلى قراهم لاحقاً، لكن في الحرب الحالية نزحوا إلى ثانوية مصطفى الزعتري الرسمية في صيدا، كونهم لا يستطيعون هذه المرة تكبّد بدلات إيجار المنازل.

ويكشف النازحون أنّ المسؤولين عن مركز الإيواء كانوا قد منحوهم مهلة حتى 15 أغسطس الجاري، قبل نقلهم إلى مبنى مهنية صيدا (معهد صيدا الفني). ثم تأجل الموعد، وأمهلوهم حتى 27 أغسطس لإخلاء المبنى، لكن لم تُحدّد المراكز التي سيُنقلون إليها، والتي يُخشى ألا تكون مناسبة للمرضى والمسنين والمقعدين، الذين لا يستطيعون التنقّل في حال لم تكن تلك المراكز مجهّزة.

محمد درويش، أحد النازحين في ثانوية مصطفى الزعتري الرسمية، بعدما فقد منزله في بلدة زوطر الغربية التي أُدرجت إثر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ضمن ما سُمّي بـ"المنطقة التجريبية" للعودة، يقول لـ"العربي الجديد": "ذهبتُ لأتفقد البلدة، لكن منزلي مدمر بالكامل، ولا أستطيع البقاء هناك. نحن بمحاذاة زوطر الشرقية، والوضع ما زال هشّاً، لذلك فضلت البقاء في مركز إيواء. لا منزل أعود إليه، وحتى عندما نزحنا إلى هنا لم نجد مكاناً بسهولة. الخوف ما زال يرافقنا، فالجيش الإسرائيلي لا يزال متمركزاً في زوطر الشرقية، ولا يمكن الوثوق به، كما أن حجم الدمار يجعل العودة مستحيلة في الوقت الراهن". ويضيف درويش: "طلبوا منا إخلاء مركز الإيواء، ولكنّنا لا نعرف إلى أين سنذهب. لا منزل يؤوينا، ولا بديل لدينا".

أما حسن قطيش، ابن بلدة حولا الحدودية التي ما زالت محتلة، فيقول لـ"العربي الجديد": "لا نستطيع العودة إلى البلدة ما دامت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا نعرف متى سنتمكن من العودة إليها. في الحرب الماضية، تمكّنّا من استئجار منزل والانتقال إليه، لكن اليوم لم يعد بإمكاننا تحمّل كلفة الإيجارات، خصوصاً بعد طول فترة النزوح وارتفاع الأسعار". ويتابع: "أبلغونا بضرورة إخلاء مركز الإيواء، لكن إلى أين نذهب؟ حولا لا نستطيع العودة إليها، ولا نملك منزلاً آخر، ولا قدرة مالية على استئجار منزل. نحن عالقون بين الاحتلال من جهة، وقرار إخلاء مركز الإيواء من جهة أخرى".

وتروي سيدة نازحة من بلدة مارون الراس الحدودية، طلبت عدم ذكر هويتها، وتقيم منذ أشهر في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، أنّ حياتها باتت معلّقة بين انتظار العودة وانتظار المساعدات. تقول لـ"العربي الجديد": "في البداية، كان هناك من يسأل عنا ويؤمّن لنا الطعام والحاجات الأساسية. اليوم، نشعر بأن الناس نسيت أننا ما زلنا هنا، وأن الحرب انتهت بالنسبة إلى كثيرين، ولكنّها لم تنتهِ بالنسبة إلينا". وتضيف: "نحن لا نطلب الكثير. نريد مكاناً آمناً نعيش فيه، وبعض المساعدات التي تمكّننا من تدبير أمورنا اليومية. الأطفال كبروا في مركز الإيواء، وبعضهم لم يعد يتذكر كيف كانت حياته قبل النزوح. أصعب ما في الأمر أن نبقى ننتظر، لا نعرف متى سنعود، ولا أين سنذهب إذا طُلب منا مغادرة المركز".

وتشير إلى أن تراجع المساعدات انعكس مباشرة على العائلات النازحة، خصوصاً تلك التي فقدت منازلها ومصادر دخلها، قائلة: "حتى أبسط الأشياء باتت عبئاً علينا. نريد أن نعيش بكرامة، لا أن نبقى طوال الوقت بانتظار صندوق مساعدات أو وجبة طعام. نحن بحاجة إلى حلّ يعيد لنا حياتنا، لا إلى مساعدة مؤقتة فقط".

لم ينتهِ نزوح أميرة عياش عقب وقف إطلاق النار في لبنان وقرار تحييد ضاحية بيروت الجنوبية من الاستهدافات الإسرائيلية. كانت أميرة تقيم بداية في خيمة عند الواجهة البحرية لبيروت، قبل أن يُطلب منها إخلاء المنطقة، لتنتقل بعدها إلى مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، حيث لا تزال هناك حتى اليوم. وبين نزوح وآخر، لم تجد وجهة أخرى تقصدها، بعدما خسرت منزلها في الضاحية الجنوبية بالكامل. وتقول أميرة لـ"العربي الجديد": "دُمّر منزلي في الضاحية الجنوبية، وما من مكان آخر ألجأ إليه". بالنسبة إليها، لم يعد مركز الإيواء مجرد محطة مؤقتة، بل صار الملاذ الوحيد الذي يحميها من التشرد. وتوضح أن فكرة العودة ليست مرتبطة فقط بانتهاء الحرب، بل بوجود منزل يمكن العودة إليه، وهو ما لم يعد متاحاً. وتضيف أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس طول فترة النزوح فحسب، بل شعورها بأنها تواجه مصيرها وحيدة، من دون عائلة أو أقارب يمكن أن تستند إليهم في هذه المرحلة، فيما يبقى الانتظار الخيار الوحيد إلى حين إعادة إعمار منزلها أو إيجاد حلّ يؤمّن لها سقفاً يؤويها.

تحديات إعادة الإعمار، زوطر الغربية، 5 أغسطس 2026 (سيلفيا كاسادي/ فرانس برس)
تحديات إعادة الإعمار، زوطر الغربية، 5 أغسطس 2026 (سيلفيا كاسادي/ فرانس برس)

خطة تدريجية لإخلاء المدارس
في موازاة استمرار النزوح، تعمل الدولة على خطة تدريجية لإخلاء المدارس التي ما زالت تُستخدم مراكز إيواء، استعداداً للعام الدراسي المقبل. وفي اتصال لـ"العربي الجديد"، لفتت مصادر متابعة في وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان إلى أن الوزارة لم تطلب مغادرة كلّ المدارس، ولكنّها تتحدث عن إشكالية كبرى تعوق إطلاق العام الدراسي في بيروت وصيدا، حيث الثقل الأساسي للنازحين. وشرحت المصادر أن إشكالية النزوح، رغم انخفاض العدد، تكمن في عدم مبادرة أي وزارة أو إدارة في الدولة لتسليم مبان تابعة لها لإيواء النازحين، بل إنّ الجميع يستسهل تحويل المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، حتى المحافظين يخلون المدارس الخاصة لنقل النازحين إلى المدارس الرسمية.

ووفق المصادر ذاتها، في بعض المراكز ولا سيّما في مدينتَي صيدا وبيروت ثمّة مدارس تتّسع لألف تلميذ، يشغلها عشرة نازحين أو عشرون على أبعد تقدير، لذا وضعت وزارة التربية خطة لجمع النازحين في مراكز محددة. وبحسب معلومات حصلت عليها "العربي الجديد"، أعدّت وزارة التربية خطة شاملة بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والمحافظين، تمهيداً لإطلاق العام الدراسي المقبل. وحدّدت بموجبها المدارس التي تستدعي المباشرة بأعمال الصيانة والتأهيل في أسرع وقت، تمهيداً لإخلائها من النازحين. وفي هذا الإطار، رُفع كتاب من الحكومة اللبنانية إلى وزير الداخلية والبلديات لمتابعة تنفيذ الخطة التي تقوم على دمج مراكز الإيواء وتقليص عددها، ما يسمح بإخلاء المدارس الرسمية وإعادتها إلى وظيفتها التعليمية، مع الإبقاء على عدد محدود من المراكز لاستقبال النازحين الذين لم يتمكنوا بعد من العودة.

وبموجب الخطة، من المفترض أن ينخفض عدد مراكز الإيواء في بيروت إلى نحو 20 مركزاً مدرسياً أساسياً، بعدما كان يبلغ عددها 151 مركزاً خلال ذروة النزوح، بينما يبلغ اليوم 43 مركزاً. علماً أن هذه المراكز لا تقتصر على المدارس فحسب، بل تشمل أيضاً مباني وتجهيزات أخرى استُخدمت لإيواء النازحين. أما توزيع مراكز الإيواء الحالية، فيشمل 51 مركزاً في محافظة جبل لبنان، و29 في محافظة الجنوب، وتسعة في محافظة النبطية، وثمانية في محافظة الشمال، ومركزين في كلّ من محافظتَي البقاع وعكار.


ورغم هذا التقليص يبقى مصير آلاف العائلات مرتبطاً بانسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدات المحتلة، وسرعة إعادة إعمار القرى المدمّرة، وتأمين الحد الأدنى من مقوّمات الحياة فيها. وحتى يتحقق ذلك، تبقى مراكز الإيواء بالنسبة إلى كثيرين محطة انتظار طويلة، فيما تتحول العودة بالنسبة لهم إلى حلمٍ مؤجل عوض أن تكون واقعاً تحقق مع وقف إطلاق النار.

أخبار مماثلة