بالموقف والممارسة، تؤكد إسرائيل إصرارها على عدوانها المفتوح وتوسيعه ضد لبنان. البلد يعيش على وقع أصوات الطائرات المسيّرة في كل أجوائه، وأصوات التفجيرات المرعبة في كل أنحاء الجنوب، وأخبار القتل والتهجير، والحرق والجرف والنسف، وتدمير المنازل والمؤسسات الخاصة والرسمية، وإقامة تحصينات وبنىً متكاملة في عدد من المناطق، وترهيب الناس بتأكيد الاستعداد لحرب أصعب من كل ما سبقها من حروب واعتداءات، ودفعهم منذ أيام الى نزوح جديد. العالم كله غير قادر على لجم دولة الاحتلال وإقناعها أو إجبارها على تنفيذ التزامها بالاتفاقات التي توقّع معها.
ثمة قناعة تقول: "لا أحد يمون إلا أميركا. لا مرجع إلا الرئيس ترامب". وثمة واقع يقول: "إذا أراد ترامب ولأي سبب من الأسباب كما حصل سابقاً تبين أنه لا يمون، وهو في الواقع لا يريد". لماذا؟ لأنه يكرّر دائماً "انتظروا الانتخابات. نتانياهو أمام موسم انتخابي صعب. نقدّر ظروفه. تحلّوا بالصبر. إسرائيل ستنسحب ولكن لها حق الدفاع عن النفس". كلام واضح. دقيق. أهدافه. خلفياته. نتائجه معروفة. تحت عنوان هذا "الحق" و"ضمان" مصالح نتانياهو الانتخابية، للرجل الحق في أن يفعل ما يشاء! نعم، هذا هو الواقع اليوم. إسرائيل دولة فالتة. تفعل ما تشاء. تستبيح ما تشاء. تعتدي على من تشاء. قادتها ومرشدوهم يتحدثون عن "حق إلهي" تملكه، وما يقومون به هو "تصحيح لأخطاء" تاريخية وقعت خلال مراحل طويلة، ويأتي الرجل الوحيد الذي "يمون" اليوم ليكرّس هذا الحق. فماذا يفعل لبنان ودولته والمنطقة كلها، لأن العدوان لا يقف عند حدود بلدنا "والحق الالهي" بل يتجاوز حدود دول كثيرة في الجوار؟
دولة لبنان ذهبت الى التفاوض. اتفقت على إطار مع إسرائيل برعاية أميركية. راهنت ولا تزال تراهن على أن ترامب هو الشخص الوحيد القادر على التأثير ولا خيار أمامها إلا هذا الخيار بعد فشل كل المحاولات لوقف الحرب وتنفيذ قرارات "حصر السلاح". إسرائيل أخذت أكثر مما كانت تنتظر في الاتفاق الموقّع معها، لا تلتزم بشيئ وتطالب بكل شيء كالعادة. أدخلت لبنان في دوامة إطار يدور بنا وتدور هي بنا من قرية الى قرية، من منعطف الى آخر، ومن جريمة إلى أخرى، وتفعل ما تشاء، فثمة من أيّد الرئيس ودافع عن خياره، وأشاد بإقدامه وشجاعته، وهاجم الجيش وقيادته ثم فجأة هاجم الرئيس، والعنوان: "كان يجب أن يكون وزير الخارجية في الوفد المفاوض، وحضوره يؤكد أن لبنان يفاوض وليس الرئيس"، كما قيل في وسائل الإعلام التابعة لهذا الفريق. وكأن الرئيس لم يكن يملك صلاحية التفاوض ومع ذلك أيّدوه وزادوا وزايدوا ولم يكن برفقته وزير الخارجية. اليوم تذكروا الوزير واعتبروا أنه بتغييبه لا يكون لبنان هو المفاوض بل الرئيس! حالة اعتدنا عليها لكنها باتت مكلفة جداً لأصحابها وللبنان. نكاد نكون خارج السياسة والإدارة السياسية السليمة.
في المقابل من داخل الدولة يظهر من يتمسك بـِ "الكتاب" ويكاد يكون قد تخلى عن كل ما قرأه وتعلّمه من الكتب، وسجّل مواقف متقدمة فيذهب الى حسابات ضيقة صغيرة ولا خطوات عملية لمساعدة الناس على الأقل في معاناتهم، بل اندفاعات غير محسوبة تحمّلهم بطريقة أو بأخرى مسؤولية ما جرى ويجري، بسبب قرارات فريق سياسي بخوض الحرب من دون العودة الى الدولة. وتبدو الدولة هنا وبعض مؤيدي "إطارها" المشترك مع إسرائيل في حالة من الفوضى والضياع. أما الفريق الأخير المذكور فقد هدّد بعض رموزه بـِ "الويل والثبور وعظائم الأمور" واستمر مكابراً باستهداف إسرائيل وأميركا وكل من يخالفه الرأي ثم فجأة أطلق موقفاًً يعلن فيه "إعطاء المسار السياسي القائم فرصة بهدف الوصول الى التحرير الكامل وانسحاب الاحتلال" والتأكيد أنه "لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين"! وهذا وجه آخر من وجوه "الفوضى السياسية" أو "العبث السياسي" في لبنان يضاف الى شواهد كثيرة قد لا يكفي كتاب لسردها وتجميعها وتوثيقها والتوقف عند كلفتها.
هل مشهد الفوضى لبناني فقط لا. يكفي ما قاله توم برّاك منذ أيام وهو سفير في تركيا وموفد خاص الى سوريا والعراق يفترض أنه يعبّر عن رأي رئيسه وحكومته، هو ليس باحثاً أكاديمياً أو مفكراً سياسياً أو صاحب رأي أو ناقداً كاتباً في صحيفة أو مركز إعلامي، فبعد موقف أميركي يعتبر حزب الله فريقاً تابعاً لـِ "فيلق القدس" الإيراني، "جزءاً من الحرس الثوري" وهو مصنّف "إرهابي"، وفي ظل قرار الرئيس ترامب بـِ "خنق" إيران من خلال أكثر وأخطر وأهم حصار في التاريخ والهدف "إسقاط النظام" كما قال أكثر من مسؤول في إدارته، قال السيد براّك: "لا يمكن الوصول الى حل لو اجتمع الجميع إذا لم يكن حزب الله حاضراً. ولا بد من التحدّث الى إيران". وثمة من يرى أن هذا طرح واقعي. وصحيح أن رئيسه كان قد أعلن استعداده للحديث مع الحزب، وقال أكثر من مرة أنه مستعد للقاء مسؤولين إيرانيين، وأعلن في الأيام الأخيرة أنه استخدم قناة تواصل كردية سرية مع "الحرس" للوصول الى اتفاق، فجاء كلام سفيره مفاجئاً خصوصاً عندما تناول الموقف من الجولان الذي يتفاخر ترامب بأنه الرئيس الذي كرّس سيادة إسرائيل عليه بعد ضمّه إليها، فاعتبر السفير أن الاحتلال والضم مخالفان للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، ومن الناحية المبدئية والقانونية والتاريخية هذا صحيح، لكن رئيسه ودولته تجاوزا هذا القانون في أكثر من مكان ومارسا ويمارسان كل الضغوطات على المنظمة الدولية.
والرئيس ترامب وقّع اتفاقاً مع السعودية متعلقاً بـ "النووي السلمي" ثم في اليوم التالي أعلن تجميده، مشترطاً انضمام المملكة إلى الاتفاقات الإبراهيمية! والرئيس ذاته "أنهى" حروباً وبقيت مشتعلة. وأشعل حروباً توسّعت دوائرها. وأسقط أنظمة ويريد "الاستيلاء الودي" على دول، وأعلن اتفاقاً مع إيران وتراجع عنه، ثم أكد أنه يريد حلاً من أجل "مصالحها ومستقبلها" ورؤيتها مجدداً "أمة عظيمة" ثم حاصرها. كل هذا يعبّر عن مشهد من مشاهد "الفوضى السياسية" و"العبث السياسي" يملأ الفراغ العربي العميق وانكشاف الساحات والمعادلات أمام أميركا التي تغطي إسرائيل وهنا بيت القصيد!
في كل هذه المشاهد إسرائيل هي الثابت الوحيد! ونتانياهو هو اللاعب الأكثر قدرة على المناورة والمكر والكذب والمراوغة وكسب الوقت. وأجهزة المخابرات الاسرائيلية وعلى رأسها "الموساد" هي الأكثر "رصداً ودقة" وقدرة على "اختراق" الآخرين، وحضوراً وجهوزية لتنفيذ قرارات مبنية على اقتراحات أهداف تقدمت هي بها. في الأيام الأخيرة أوهمت الرئيس ترامب أنه سيتعرض لمحاولة اغتيال فغادر تركيا كما غادر، والرواية باتت معروفة. ثم سرّبت معلومات عن استهدافه داخل أميركا. إسرائيل قادرة على التحرّك في كل اتجاه، واتجاهها الآن تركيا وقد غطّاها ترامب ومسؤولوه بطريقة أو بأخرى، لأنها قلقة من إعادة بناء الجيش السوري بمساعدة تركية، وتعتبر أن تركيا باتت على حدودها بعد سقوط نظام الأسد، وهي جاهزة لاستهدافها في أي لحظة خصوصاً في ظل التهديدات المتبادلة، وقد أعدّت عدّة متكاملة من التحالفات الغربية والعربية معها، ووفّرت الاستعدادات وأقنعت الإدارة بصوابية وجهة نظرها في عملية "أبو الظهور". هدفها قطع "ظهر" تركيا القوية بعد إضعافها وربما إسقاط إيران في حساباتها البعيدة والقريبة المدى. يكفي أن تقول إسرائيل إنها "تشك" بعمل ما يستهدفها أو هو على "وشك" الحصول حتى تبادر إلى عمل عسكري أو عدوان واسع أو ارتكاب مجازر أو إبادة وتدمير قرى مثلما يجري في الجنوب، وأميركا تغطيها تحت عنوان "حق الدفاع عن النفس" ويقول ترامب "إصبروا حتى الانتخابات".
نتانياهو يعرف كيف يتعامل مع كل هذه الأمور. على الأقل أثبت هذه القدرة حتى الآن. لذلك يتحسّب لكل شيئ. وبالتحديد للاستحقاق الانتخابي. فإذا شعر أنه سيخسر سوف يشنّ حروباً في أكثر من مكان ويعمّم فوضى أوسع ويوّرط ترامب وإدارته أكثر فأكثر فتؤجل الانتخابات تحت عنوان: الحرب والظروف القاهرة. وإذا كان مطمئناً للنتائج يمضي بها وينجح ولا أحد يوقفه بعد ذلك. ماذا يفعل الآخرون المستهدفون من لبنان الى المنطقة كلها؟ حتى الآن أثبتوا قدرة على التكيّف وتبادل الاتهامات وإطلاق التصريحات الفارغة من أي مضمون واسرائيل تمضي قدماً في تحقيق مشروعها!