17 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 31-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة واشنطن تخذل لبنان في مجلس الأمن وتضع الجنوب أمام امتحان "ما بعد اليونيفيل"
واشنطن تخذل لبنان في مجلس الأمن وتضع الجنوب أمام امتحان "ما بعد اليونيفيل"
حسين زلغوط
2026-08-31
واشنطن تخذل لبنان في مجلس الأمن وتضع الجنوب أمام امتحان "ما بعد اليونيفيل"

 

شكّلت جلسة مجلس الأمن الأخيرة المخصصة لبحث مستقبل قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان اختباراً واضحاً لموقع لبنان في الحسابات الدولية وتحديدا الأميركية، وللمظلة التي يمكن أن تحمي استقرار الجنوب في مرحلة شديدة الحساسية. ففي الوقت الذي تحركت فيه فرنسا للدفع نحو إعادة النظر في مستقبل «اليونيفيل»، بدا أن الولايات المتحدة اختارت السير في اتجاه مختلف، حيث رفضت التمديد للمهمة بعد انتهاء ولايتها، بما يعني عملياً أن لبنان يتجه إلى وداع هذه القوات مع نهاية العام، ما لم يطرأ تطوّر سياسي كبير يعيد خلط الأوراق.

وهذا التطور يأتي في ظل واقع حرب لا تزال قائمة على أرض الجنوب ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط حول بقاء «اليونيفيل» أو رحيلها، بل حول اليوم التالي للرحيل، ومن يملأ الفراغ، وبأي غطاء دولي، وعلى أي قاعدة سياسية وأمنية.

من هذه الزاوية، يمكن فهم التحرك الفرنسي داخل مجلس الأمن باعتباره محاولة لمنع الوصول إلى نهاية تلقائية لمهمة اليونيفيل من دون بديل واضح. ففرنسا، التي تتولى دوراً أساسياً في الملف اللبناني داخل المجلس، تدرك أن إنهاء مهمة القوة الدولية في الجنوب في هذه المرحلة قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود المسألة التقنية المتعلقة بولاية قوات حفظ السلام، لتطال التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة كلها.


أما الموقف الأميركي، فيبدو أكثر حزماً في اتجاه إنهاء المهمة، وهذه النقطة تحديداً تمثل خيبة أمل للبنان الذي كان يأمل في أن تتعامل واشنطن مع الواقع الميداني المستجد بمرونة أكبر، وأن تترك الباب مفتوحاً أمام تمديد جديد، ولو لفترة انتقالية، إلى حين بلورة ترتيبات أكثر وضوحاً للمرحلة المقبلة.

فالجيش اللبناني، الذي يحاول اثبات حضوره ودوره في مختلف المناطق، يحتاج إلى الإمكانات والقدرات والدعم السياسي والعسكري والمالي لكي يتمكن من تحمّل أعباء المرحلة المقبلة. كما أن الواقع الجنوبي لا يزال معقّداً، والحدود اللبنانية - الإسرائيلية ليست حدوداً عادية يمكن أن تنتقل مسؤولية ضبطها من قوة دولية إلى قوة محلية بين ليلة وضحاها.

وهنا يكتسب موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، لجهة مطالبته بعدم ترك الجنوب أمام فراغ دولي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، بل البحث عن صيغة بديلة تكون أيضاً تحت مظلة الأمم المتحدة.

فالفكرة الأساسية ليست التمسّك باسم «اليونيفيل» بقدر ما هي التمسّك بالمرجعية الدولية التي يوفرها وجود الأمم المتحدة في الجنوب. وإذا كان المجتمع الدولي يريد تغيير شكل وجوده، فإن لبنان يريد أن يكون هذا التغيير منظماً ومدروساً، لا أن يتحوّل إلى

من المؤكد إن إنشاء قوة أو آلية دولية جديدة تحت مظلة الأمم المتحدة يمكن أن يشكّل مخرجاً وسطياً بين الرغبة الأميركية في إنهاء المهمة الحالية وبين الحاجة اللبنانية إلى استمرار الحضور الدولي. كما يمكن أن يوفر فرصة لإعادة تعريف الدور الدولي في الجنوب، بحيث يكون أكثر انسجاماً مع المرحلة الجديدة، وأكثر تركيزاً على تثبيت الاستقرار ومراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم المؤسسات الشرعية اللبنانية.

ولا شك أن مثل هذه الصيغة تحتاج إلى توافق دولي واسع، وإلى تفاهم لبناني داخلي، وإلى تفاهمات مع الدول التي تشارك في القوات الدولية، فضلاً عن ترتيبات واضحة مع الجيش اللبناني.

لكن البديل الأخطر هو أن ينسحب المجتمع الدولي من الجنوب من دون ترك آلية واضحة.

فالفراغ الأمني في منطقة حسّاسة كالجنوب ليس مجرد فراغ إداري. إنه فراغ قابل لأن تملأه الوقائع الميدانية، وقد تعود معه لغة القوة إلى الواجهة على حساب لغة التفاوض والاتصالات السياسية.

كما أن إنهاء دور «اليونيفيل» في هذا التوقيت قد يحمل رسائل متعددة للأطراف المعنية، وقد يقرأه البعض باعتباره انتقالاً طبيعياً للمسؤولية إلى الدولة اللبنانية، فيما قد يراه آخرون مؤشراً إلى تغيّر في قواعد التعامل الدولي مع الوضع على الحدود، وفي كلتا الحالتين، فإن غياب التفسير الواضح والبديل العملي يفتح الباب أمام التأويلات والمخاطر.

من هنا، فإن لبنان أمام استحقاق دبلوماسي لا يقلّ أهمية عن الاستحقاقات الأمنية والسياسية الأخرى. وليس المطلوب الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة أو تحويل الخلاف حول اليونيفيل إلى معركة سياسية، بل التعامل مع الواقع الجديد بواقعية وهدوء، والبحث عن مخارج تحفظ المصالح اللبنانية.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى موقف لبناني موحّد، فمسألة الجنوب لا تحتمل تعدد الرسائل، ولا يمكن للبنان أن يدخل مفاوضات دولية فيما تنقسم مواقفه بين أكثر من اتجاه. المطلوب أن تلتقي رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب ووزارة الخارجية والجيش حول رؤية واحدة للمرحلة المقبلة، عنوانها الأساسي حماية السيادة والاستقرار ومنع الفراغ.

كما أن على لبنان أن يخوض المعركة الدبلوماسية المقبلة من موقع الدولة التي تريد أن تتحمّل مسؤولياتها، لا من موقع الدولة التي ترفض كل تغيير. فالجيش اللبناني يجب أن يكون في صلب أي صيغة جديدة، لكن وجود الجيش لا يتعارض مع وجود مظلة دولية مساندة، بل يمكن أن يشكّل الاثنان معاً ضمانة أفضل للاستقرار.

ولعلّ أخطر ما في المشهد الحالي أن نهاية «اليونيفيل» قد تتحوّل من نهاية لمهمة إلى بداية لمرحلة مجهولة، فالقضية ليست في اسم القوة التي ستبقى أو ترحل، بل في الوظيفة التي ستؤدّيها. وإذا كان المجتمع الدولي مقتنعاً بأن المرحلة المقبلة يجب أن تعطي الجيش اللبناني الدور الأول، فهذا أمر يمكن للبنان أن يتعامل معه بإيجابية، شرط ألا يعني ذلك التخلّي عن المظلة الدولية قبل اكتمال عناصر الاستقرار.

أما إذا كانت واشنطن قد اختارت أن تغرّد خارج سرب الدول التي ترى ضرورة الإبقاء على حضور دولي في الجنوب، فإن ذلك لا يعني أن الطريق قد أُغلق أمام البحث عن حلول أخرى. فمجلس الأمن لا يزال مساحة للتفاوض، وفرنسا لا تزال تتحرك، ولبنان يستطيع أن يطرح صيغة بديلة قابلة للنقاش.

وفي النهاية، فإن التحدّي الحقيقي أمام لبنان ليس إنقاذ اليونيفيل كاسم ومؤسسة، بل إنقاذ الاستقرار الذي ارتبط بوجودها طوال السنوات الماضية، فالجنوب لا يحتمل فراغاً جديداً، ولا يستطيع أن يكون ساحة لتجارب جديدة في الأمن والسياسة. وإذا كان لا بد من الانتقال إلى مرحلة «ما بعد اليونيفيل»، فإن المطلوب أن تكون هذه المرحلة انتقالاً منظماً من قوة دولية إلى صيغة دولية جديدة، ومن اعتماد كامل على الخارج إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية، لا خروجاً دولياً يترك الجنوب وحيداً أمام احتمالات مفتوحة.

أخبار مماثلة