17 ربيع الأول 1448

الموافق

الإثنين 31-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة رفيق علي أحمد: "على خشبة الحياة" كل شيء جائز
رفيق علي أحمد: "على خشبة الحياة" كل شيء جائز
2026-08-31
رفيق علي أحمد: "على خشبة الحياة" كل شيء جائز

نقرأ كتاب "على خشبة الحياة" (نوفل، بيروت، 2026) للفنان المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، فنتأكّد أن كلمة مسرحي هنا شاملة، فهي لا تعني الممثل وحده، فهو ليس الممثل فقط، إنه الممثل الذي يقوم بمفرده بالمسرحية كلّها، إنه اللاعب الوحيد، لكنه في ذات الوقت المؤلِّف، وفي أحيان كثيرة المُخرج. رفيق علي أحمد في آن واحدٍ المؤلّف واللاعب، وهو في أحيان المُخرج، ويمكن أن نضيف أنه في بعضها المُغنِّي، وفي كتابه هذا هو أيضاً الراوي والكاتب. 

الكتاب سيرة فنّية، لكن المسرح الذي يقوم بجمهوره، لن يكون في أي وقت بعيداً عن الحياة العامة. لا بدّ أن حياة الفنان (1954) على الخشبة تتقاطع، على أكثر من نحو، مع تطورات الوضع في بلده، الذي عاش جانباً كبيراً من السيرة في حرب أهلية، لن تكون بلا أثر قاطع أحياناً على مسيرته الفنية تلك. بدأ ذلك باكراً في الجامعة، في معهد المسرح الذي التقى فيه أحمد يعقوب الشدراوي، وهو شخصية مركزية في تاريخ المسرح اللبناني. 

في سنوات المعهد اتصل أحمد أيضاً بروجيه عساف، وهو شخصية مركزية أُخرى في المسرح. هذا اللقاء لن يكون عابراً، مع يعقوب لعب شخصية "الأرقش" في مسرحيّته عن ميخائل نعيمة "سبعون". هذه المشاركة ستتقاطع أيضاً مع الحرب الأهلية، فقد اضطرت الشدراوي وأحمد وزميلين آخرين من المنطقة الإسلامية، إلى العبور إلى المنطقة الشرقية المسيحية، الأمر الذي كان حذراً، ما دعا الزميلين المسلمَين إلى الاستغناء عن المشاركة، فيما بقي أحمد الذي ما لبث أن وُوجِه بمسلّح يصوّب إليه سلاحه، وهو ينتمي إلى جماعة مسلّحة من المنطقة الإسلامية ضالعة في الحرب الأهلية. 

لن تكون هذه البادرة وحدها المتّصلة بالوضع العام، فإنّ مسرحية "المفتاح" التي ألّفها أحمد مستوحياً الحروب الصليبية، ما لبثت أن انقلبت عليه، فقد رأى فيها المسيحيون استفزازاً لهم، لكنّ المسلمين رأوا أيضاً الأمر نفسه لدى عرض المسرحية على خشبة مسرح المركز الثقافي الروسي. بل تعرّض المسرح لمحاولة إحراق، ما جعل أهله يُمانعون استمرار المسرحية.

الوضع الأهلي قد يؤدّي أحياناً إلى نتائج معاكسة، فمسرحية "جرس" التي ألّفها، تنطلق من شخصية "أبو عيسى" الذي قُتل ابنه على خطّ التماس بين منطقتي بيروت، وأبو عيسى يتّهم من أرسلوه للمعركة بأنهم قتلوه. هذا الكلام الصريح عن الصراع الأهلي اجتذب، ليس فقط الفريق الأهلي المسلم الذي ينتمي إليه الابن، بل بالدرجة نفسها، أُمَّهات الفريق الآخر اللواتي فقدنَ أبناءهنّ، من الجهة الأُخرى في الحرب ذاتها.

تجربة تلخّص أحوال المسرح في مواجهة الحساسيات الأهلية

لا بدّ أن مسرح رفيق علي أحمد الذي يستمدّ، لا موضوعاته وحدها وإنما حكاياته أيضاً، من الواقع المباشر. لا بدّ أن يتلقى ردوداً متفاوتة ومتضاربة أحياناً. لكن تاريخ الفنان في المسرح لا ينفصل عن تاريخ لبنان السياسي، بل في أحيان عن تاريخ المنطقة كلّها. محاولة إيجاد فرقة عربية مثل "الممثلون العرب"، بقيادة الطيب الصديقي تصطدم بالوضع العربي آنذاك. الممثّلان السوريان يعتفيان من التمثيل في العراق، وكذلك يفعل الممثل العراقي. الممثلون الجزائريون يعتفون من الذهاب إلى المغرب، وكذلك المغاربة. مسرح الرفيق هكذا هو بلغة اليوم تحت النار. إنه يدور داخل تعقيد الواقع وتلافيه، لذا لا نجد أنفسنا بعيدِين عن مشاكل لبنان. 

كذلك نُصادف سياسيّين كباراً، نلتقي رئيس الجمهورية يومذاك إلياس الهراوي، ورئيس الوزارة الذي شكل اغتياله حدثاً رئيسياً في تاريخ البلد رفيق الحريري، لا نُصادفهم فحسب، بل نسمعهم بلهجاتهم ومأثوراتهم. لا نجد فقط الخلفية السياسية، بل نجد أيضاً الخلفيات الواقعية لمسرحيات صاحب السيرة. نجد الهراوي المعروف ببساطته يتكلّم عن "الخازوق" المُعدّ له تحت مشروع التمديد، كما نجد رفيق الحريري يستدعي رئيس إدارة شركته "أوجيرو" لإعداد الغراند تياتر ليكون محل عرض "قطع وصل".

كتاب رفيق علي أحمد يتناول المسرح اللبناني الحديث الذي كان أحد أسمائه الأبرز، ودوره فيه يكاد يشمله. نحن نتعرف فيه إليه نصاً وإخراجاً ولعباً هو غالباً وحيد فيه، كما نتعرّف إليه ناقداً ومؤرّخاً ومفكّراً، ثم إننا من خلال روايته لمسرحه، بل من خلال دوره الأحادي فيه نطلّ على المسرح في حقبة غنية نظرياً وعملياً، كون الكتاب سيرة شخصية، لا يمنع من أن نطلّ عليها باعتباره تاريخاً، بل سجالاً ونقداً وتنظيراً، بل على تفاعل مع ظرف ومحيط وجمهور. 

 

أخبار مماثلة