لا أعتقد أن أحدا من الشعب العربي الفلسطيني يرفض مبدأ إجراء الانتخابات بمستوياتها كافة، من النقابات حتى الانتخابات العامة الرئاسية والمجلسين الوطني والتشريعي، لأهميتها في مراجعة البرامج، واليات ونتائج عمل فترة ولاية هيئات قيادية نقابية أو وطنية عامة، وتجديد الشرعيات، ولتكريس الخيار الديمقراطي وصندوق الاقتراع كأساس، في التداول السلمي لمراكز القرار في هذه النقابة أو الاتحاد أو المنظمة الشعبية أو الهيئات الوطنية العامة، وتجاوز سياسة التعيين والتزكية، الا إذا فرضت الشروط الذاتية والموضوعية ذلك. لا سيما وان الشعب الفلسطيني يخضع للاحتلال الإسرائيلي، كما تخضع تجمعات الشعب في الشتات لأنظمة وقوانين الشعوب والدول التي يعيشون بين ظهرانيها، وهو ما ينطبق على الجاليات في المغتربات الأجنبية.
ومع أن الرئيس محمود عباس أصدر مرسوما في 9 تموز / يوليو الماضي لأجراء الانتخابات التشريعية القادمة 28 تشرين ثاني / نوفمبر القادم – 2026 -، وبدأت لجنة الانتخابات المركزية إجراءاتها القانونية والإدارية اللوجستية لتهيئة الشروط الذاتية الضرورية لإجرائها في الوطن الفلسطيني المحتل: الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، مما يعكس الجدية في المضي قدما لإجرائها في التاريخ المحدد. وبدأت القوى والفصائل والشخصيات المستقلة السياسية، بالإضافة للعشائر والعائلات بالاستعداد والإعداد لمشاركتها، وإن كانت تحركاتها بطيئة وحذرة، لأنها في معظمها، تطرح السؤال على نفسها وشركائها: إن كانت الانتخابات في الشروط القائمة تسمح بإجرائها من عدمها. لا سيما وأن الواقع ملبد بالغيوم، كما أن حقول الألغام أمامها عديدة، وعلى المستويين الذاتي والموضوعي.
ولا يكفي توفر الرغبة الخاصة، أو الضغوط الدولية لإجراء الانتخابات، فالانتخابات بقدر ما هي ضرورة وطنية، لكنها ليست هدفا بحد ذاتها، انما هي وسيلة وأداة لتحقيق أهداف أكبر لخدمة مصالح وحقوق الشعب، لهذا تملي الضرورة قراءة علمية للواقع المعطي وعدم التعجل في إصدار المراسيم، قبل استكناه واستشراف اللحظة التي ستجري فيها الانتخابات، ومدى استجابتها للمصالح الوطنية الجامعة، وإمكانية توفير العوامل المناسبة لإجرائها.
وإذا توقفنا أمام الشروط الذاتية، نلحظ الاتي: أولا ان الوضع الفلسطيني الداخلي الفصائلي والعام يعاني من تعقيدات تنظيمية واجتماعية ووطنية، ومازال الانقسام والانقلاب قائما، ولهذا تداعيات على العملية الانتخابية؛ ثانيا شروط الضفة الغربية بما فيها القدس العاصمة وقطاع غزة، حسبما اعتقد لا تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية للاعتبارين الذاتي والموضوعي؛ ثالثا مشاركة حركة حماس في الانتخابات إذا تمت، هل يكفي التزام الحركة بما ورد في المرسوم الرئاسي من التزامات، أم هناك استحقاقات وطنية حتى لو لم ترد في المرسوم، هل يجوز غض النظر عنها؟ الا يتطلب من الحركة تقديمها للشعب ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة، ولها عميق الصلة بالانقلاب، والحروب وصولا للإبادة الجماعية وتداعياتها ومسؤولياتها عما آلت لها نتائجها الكارثية على الشعب والمشروع الوطني والكيانية الفلسطينية؟ أم أن الانتخابات ستكون الممر الذي يفرش لها البساط الأحمر لإعفائها من مسؤولياتها، وطمس حقوق الناس الذين أُبيدوا أو جرحوا، وتبرأتها من مسؤولياتها عن الدمار الهائل، وعن ويلات الشعب؟ وهل يجوز تمرير مقولة بعض القوى أو القيادات ضرورة "القفز عن التاريخ"، للتغطية على مصائب ونكبات الشعب، وتبرئة حركة حماس خدمة لأجندات قوى عربية وإقليمية، التي خلفياتها تستهدف القيادة والمنظمة والمشروع الوطني؟ رابعا أليس من الأفضل التأني وتأجيل الانتخابات لحين ترتيب أولا البيت الفتحاوي وبيت منظمة التحرير والبيت الفلسطيني العام؟ ولماذا العجلة، صحيح استحقاق الانتخابات العام أزف منذ وقت طويل، لكن تأخر اجرائها لأسباب عديدة خاصة وعامة، الا يمكن أن ننتظر بعض الوقت حتى نصفي تبعات المرحلة الماضية؟
وأما الشروط الموضوعية فهي أكثر تعقيدا وخطورة: أولا حكومة الائتلاف الإسرائيلي النازي الحاكم وتغولها على الشعب، وانفلات عصاباتها من المستوطنين وجيش الإبادة، هل سيسمح بإجراء الانتخابات الفلسطينية؟ ثانيا على سبيل المثال لا الحصر، ولا اريد التذكير بالتزام إسرائيل من عدمه برتوكول القدس، لكن هنا مثال حاضر وماثل امام الجميع: هناك 3 بيوت في قرية قصرة محاصرة منذ التاسع من آب / أغسطس الماضي ولم يتمكن أحد من الوصول لهم، بما في ذلك القناصل الأوروبيين، وليس أي قيادي فلسطيني؟ وهل ستسمح إسرائيل لسكان القرية كلها بإجراء الانتخابات؟ وماذا لو فرضوا حصارا على مدينة في محافظات الضفة الغربية، ما العمل لإجراء الانتخابات؟ ثالثا حكومة الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو المأزوم، هل ستسمح بإجراء الانتخابات الإسرائيلية أولا المقررة في 27 تشرين اول / أكتوبر القادم؟ أليس من الممكن هروبها من الانتخابات عبر بوابة فتح جبهة جديدة أو متجددة من الحروب، وبالتالي تقطع الطريق على إجراء الانتخابات؟ وهل ستسمح ظروف الحرب بإجراء انتخابات فلسطينية؟ وحتى لو جرت الانتخابات الإسرائيلية في موعدها، هل تكون انتهت ولاية حكومة نتنياهو في 28 نوفمبر القادم، أم انها ستسير الاعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، وهل خلال وجودها ستسمح بإجراء الانتخابات الفلسطينية؟ رابعا هل أعطت جوابا للقيادة الفلسطينية بتسهيل اجراء الانتخابات، وهي تعلن صباح مساء، انها ستبدد الكيانية الفلسطينية؟ خامسا في ظل الفاقة وعدم تأمين رواتب الموظفين العموميين والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والحصار الخانق، والقرصنة على أموال المقاصة الفلسطينية، كيف وعلى أي أساس ستجري السلطة الانتخابات، وهي فارغة اليد، ولا تملك ما تقدمه للمواطنين، على أي أساس ستنتخب الجماهير القائمة الوطنية وتجدد الشرعية؟ سادسا هل الانتخابات الان أولوية للجماهير أم الخبز والأمان هو الأولوية؟ ومن قال أن الجماهير تفكر الان بالانتخابات؟ سابعا هل الولايات المتحدة وبرتوكول التعاون بينها وبين السلطة ستؤمن وتقبل اجراء الانتخابات في الوطن الفلسطيني؟، وهل ردت على ما طلبته القيادة بشأن دعمها اجراء الانتخابات، هل أعطت جوابا على ذلك؟ وهل ستسمح الإدارة الأميركية بإجراء الانتخابات في قطاع غزة، وهي تعمل صباح مساء على فصل الضفة عن القطاع؟
هناك عشرات الأسئلة يمكن طرحها على القيادة والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية بشأن الانتخابات وإجرائها، وبدون مواراة أو مجاملة، ان اختيار تاريخ إجراء الانتخابات لم يكن موفقا، ولم تتم قراءة اللوحة بشكل دقيق وسليم، بل شاب التقرير بالأمر التسرع، لذا وحرصا على إجراء الانتخابات العامة بشكل سليم وايجابي أقترح بالحد الأدنى تأجيل الانتخابات للربيع المقبل (2027)، لحين تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الانتخابات النصفية الأميركية والانتخابات الإسرائيلية، ولحين ترتيب شؤون البيت الفلسطيني، وحتى تتمكن السلطة من تنفس الصعداء قليلا في حال توقفت القرصنة الإسرائيلية على أموال المقاصة وأفرج عن الأموال المحتجزة في خزائن وزارة المالية والبنوك الإسرائيلية. ومع ذلك في حال جرت الانتخابات اليوم أو غدا أو في موعدها، شخصيا سأشارك بها، وأرشح نفسي لعضوية المجلس التشريعي، بتعبير أدق، لن أقاطع، ولكن الضرورة الوطنية تملي مراجعة الموقف قبل فوات الأوان، أو نُرغم لاعتبارات موضوعية أو حتى ذاتية للتأجيل.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com