ليس أكثر قسوةً من أن تقف مدينةٌ عمرها آلاف السنين أمام مرآة حاضرها، فلا تتعرّف إلى وجهها. صيدا التي علّمت البحر معنى المرافئ، واحتفظت في حجارتها بذاكرة الحضارات، والتي كانت بساتينها تمتد كوشاحٍ أخضر حول المدينة، وتفوح منها رائحة الليمون والبرتقال، تبدو اليوم كأنها تدفع ثمن سنوات طويلة من الإهمال والتراكم وسوء الإدارة.
كانت صيدا مدينةً لها روح. كان البحر جزءًا من يومها، والبساتين جزءًا من ذاكرتها، والأسواق القديمة قلبها النابض، والقلعة شاهدًا على تاريخ لا تستطيع السنوات محوه. وكانت المدينة ببساطتها، تعرف كيف تكون جميلة من دون ادّعاء، يكفي أن تمشي في أزقتها، وأن تلامس حجارتها القديمة، وأن ترى البحر من بين بيوتها، لتفهم لماذا بقي اسم صيدا حاضرًا في ذاكرة المتوسط.
لكن المدن لا يحميها التاريخ وحده، لأنه لا يرفع النفايات من الشوارع، ولا يؤمّن المياه، ولا الكهرباء، ولا يحمي البحر من التلوث. وهذه هي المفارقة المؤلمة في صيدا اليوم، مدينةٌ تملك كل مقومات الجمال والحياة، لكنها تُترك لتواجه أبسط أزماتها وكأنها مدينة بلا إدارة وبلا رؤية.
الكهرباء تنقطع، والمياه تشح، والنفايات تتراكم، والخدمات تتراجع، والمواطن يجد نفسه مضطرًا إلى تدبير شؤونه بنفسه، وكأنّ الدولة والمؤسسات أصبحت فكرة بعيدة عن تفاصيل حياته اليومية.
ومع الوقت، يتحول الاستثناء إلى عادة، والأزمة إلى واقع، والعجز إلى أمر طبيعي، حتى يصبح السؤال عن حق المواطن في مدينة نظيفة ومضاءة ومخدّمة وكأنه مطلب مبالغ فيه.
لكن لا، ليس مطلبًا مبالغًا فيه.
أن يكون الشارع نظيفًا ليس رفاهية. أن تصل المياه إلى البيوت ليس منّة. أن تتوفر الكهرباء ليس امتيازًا. وأن تكون المدينة الساحلية نظيفةً ومشرقةً وجميلة ليست أُمنية سياحية، بل مسؤولية عامة.
ولعلّ ملف النفايات هو أكثر الملفات قدرةً على اختصار المأساة كلها. فقد كان يفترض أن يكون معمل معالجة النفايات نعمةً على صيدا، وأن يضع حدًا لحقبة جبل النفايات، وأن يحوّل الأزمة البيئية إلى فرصة للمعالجة والاستفادة والطاقة. لكنّ المشروع الذي يفترض أن يكون جزءًا من الحل أصبح، بفعل التعقيدات وسوء الإدارة والخلافات المتراكمة، جزءًا من المشكلة. وكلّما تعثّر التشغيل أو اختلفت الجهات المعنية، كان المواطن يجد النفايات في الشارع، وكأنّ المدينة هي الطرف الأضعف في كل معادلة.
وهنا لا يعود السؤال سياسيًا بالمعنى الضيق، ولا يجوز اختزاله في تبادل الاتهامات. السؤال ببساطة: كيف يُدار مرفق عام؟ ومَن يراقب؟ ومَن يحاسب؟ ومَن يضمن ألا تتحول الخلافات الإدارية والمالية إلى أزمة في صحة الناس وبيئتهم وصورة مدينتهم؟
فالمواطن لا يعنيه مَن انتصر في البيانات، ولا مَن حمّل المسؤولية إلى الآخر. هو يريد أن يفتح نافذته فلا يشم رائحة النفايات، وأن يسير في شارعه فلا يرى الأكياس المتراكمة، وأن يعرف أن هناك منظومة تعمل حتى عندما يختلف المسؤولون. هذه هي وظيفة الإدارة. وهذه هي مسؤولية السياسة.
والأخطر من النفايات نفسها أن نعتاد عليها. والأخطر من العتمة أن نتعايش معها. والأخطر من شح المياه أن نعتبره قدرًا. فالمدن لا تنهار دفعة واحدة، إنها تفقد شيئًا من روحها كل يوم حين يتراكم الإهمال ويعتاد الناس عليه.
وصيدا تستحق أن يُنظر إلى بحرها باعتباره ثروة، لا مجرد منظر. وأن تُحمى بساتينها باعتبارها جزءًا من ذاكرتها، لا مجرد أراضٍ قابلة للاكتساح. وأن يُستثمر تاريخها في السياحة والاقتصاد، لا أن يبقى مادةً للاحتفال في المناسبات. وتستحق أن يكون معمل النفايات نموذجًا للحل لا عنوانًا للخلاف، وأن تكون شوارعها واجهةً لمدينةٍ تاريخية لا مرآةً لأزماتها.
وصيدا ليست فقيرةً بالعناصر التي تصنع النجاح، إنها فقيرةٌ بالرؤية التي تجمع هذه العناصر في مشروع واحد.
البحر موجود، والقلعة موجودة، والأسواق القديمة موجودة، والناس موجودون، والذاكرة موجودة، لكن ما ينقص هو قرارٌ واضح بأن هذه المدينة تستحق إدارةً تليق بها.
ولا يجوز أن تتحول صيدا إلى مدينة تعيش على أمجاد الماضي بينما ينهار حاضرها بصمت. فالذين يتحدّثون عن عراقة المدينة عليهم أن يسألوا أنفسهم ماذا فعلوا لهذه العراقة في الحاضر.
فإنّ صيدا اليوم لا تحتاج إلى مَن يرثيها، ولا إلى مَن يتغنى بتاريخها، ولا إلى مَن يضع صور قلعتها والبحر في مقدمات خطاباته. صيدا تحتاج إلى مَن يعمل. تحتاج إلى إدارة شفافة، ومحاسبة حقيقية، وخطة واضحة للنفايات، وحماية لبحرها، وصَون لما تبقى من بساتينها، وخدمات أساسية تليق بالناس، ورؤية اقتصادية وسياحية تعيد إلى المدينة شيئًا من مكانتها، والأهم من ذلك كله تحتاج إلى إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة.
لقد صبرت صيدا طويلًا، لكن المدن لا تعيش بالصبر وحده. والسكوت لا يعني الرضا. والاحتمال لا يعني أن الإهمال أصبح مقبولًا.
صيدا مدينةٌ أكبر من أزماتها، وأكبر من كل الذين تعاقبوا على إدارتها، وأكبر من كل الخلافات السياسية التي أرهقتها. وهي لا تطلب المستحيل، تطلب فقط أن تكون مدينةً تليق بتاريخها. مدينة يرى أهلها فيها مستقبلًا لا ماضيًا فقط. مدينة يكون بحرها مصدر فخر لا مصدر قلق، وأن تكون بساتينها ذاكرةً حيّة لا صورًا قديمة، شوارعها نظيفة، ومياهها متاحة، وكهرباؤها مستقرة، ونفاياتها معالجة، وشبابها قادرين على البقاء فيها.
فالمشكلة ليست أن صيدا فقدت جمالها بالكامل، بل أن جمالها أصبح محاصرًا بالإهمال. والمطلوب اليوم ليس أن نبكي على صيدا التي كانت، بل أن نمنع ضياع صيدا التي يمكن أن تكون. فالتاريخ أعطى المدينة اسمها، والبحر أعطاها موقعها، والبساتين أعطتها روحها، وأهلها أعطوها الحياة.
أما أن تُترك مدينة بهذا التاريخ، وبهذا البحر، وبهذه المكانة، بين النفايات والعتمة وشح المياه وسوء الإدارة، ثم يُطلب من أهلها أن يصبروا أكثر، فذلك ليس قدرًا.
ذلك قرار يمكن تغييره، وصيدا تستحق أن يتغير.