ما يجري في الجنوب اللبناني أمر غير معقول، يؤكد إصرار اسرائيل على تكريس احتلالها وتوسيعه بدعم أميركي مفضوح، رغم توقيع اتفاق الإطار معها بضغط ورعاية أميركية. الترجمة إطار مرسوم مسبقاً. يد اسرائيل مطلقة. زنّار نار يتوسّع. دمار شامل. محو آثار قرى بالكامل. إحراق المستشفى في بنت جبيل. تدمير مستشفى غندور في النبطية والمدرسة في المنصوري، البلدة التي تتصدر نشرات الأخبار وأخبار المواقع السريعة. قصف لا يتوقف. إنفجارات بمثابة هزّات ليس فقط في علي الطاهر. تهديد ووعيد. لا احترام ولا التزام بالاتفاق الذي سبق " الإطار " ولا التزام لاحقاً به. الإطار الوحيد والالتزام الوحيد: الحقد. الكراهية. تثبيت الاحتلال. الخراب. الدمار. نموذج غزة. التحريض على الفتنة في الداخل. ولبنان متروك. الموسم موسم انتخابات. " إصبروا على نتانياهو " هكذا قال لنا ترامب. ثم خرج سفيره في اسرائيل ليقول منذ أيام: "سيبقى الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان حتى يصبح جيشه قوياً"! كيف يصبح جيشنا قوياً وقادراً على تنفيذ قرارات الحكومة ببسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية وهو يؤكد منذ تكليفه بهذه المهمة: "ما يعيق القيام بواجبنا وتحمّل مسؤولياتنا أمران: الاحتلال الاسرائيلي وعدم توفير المقومات والقدرات المطلوبة". الجواب: لا إمكانات. تخلّ تام. وتوسّع الاحتلال وهجوم بل غضب على قائد الجيش. لأن المطلوب: دم في لبنان. ليس المطلوب هدوءاً واستقراراً. لا دعم. لا مساعدات إلا بشروط. وأولها وآخرها: نزع سلاح حزب الله في كل مكان. لا مراحل. لا مناطق تجريبية. لا جداول زمنية. لا خطط. والتنفيذ بما لديكم فقط. كل الدولة، بكل مؤسساتها ومسؤوليها تحت التجربة. تحت النار. والحرب مفتوحة. تخلّ عن الجيش. تخلّ عن دعم اقتصادي مالي. ضغط سياسي. إطلاق يد اسرائيل. انتظار الانتخابات الاسرائيلية، هذا هو الإطار، والدم والقتل والخراب والدمار والتهديد بمزيد من المعاناة والمخاطر هو الخطاب الوحيد.
لم تعقد جولة المفاوضات التي كانت مقرّرة في واشنطن. ولم يتمكن لبنان من الثبات على موقفه. استعاضوا عنها بلقاء السفيرين. أثناء الاجتماع كانت أصوات الانفجارات وموجات التفجير تهزّ لبنان.
عقد مؤتمر باريس لدعم الجيش وكانت لقاءات أقل من عادية. غياب أميركي وعربي فعلي. ولا دعم. أثناء انعقاده واجتماع السفيرين كان استفزاز من جيش الاحتلال وتحدّ للجيش اللبناني ومحاولة منعه من إقامة حواجز في دير ميماس. حصل إطلاق نار. أصرّ الجيش اللبناني على موقفه وقيامه بمهمته. تراجع الاسرائيلي لكنه شنّ هجمات أكبر وارتفع مستوى الغضب على قائد الجيش في لبنان! وقال الجيش الاسرائيلي بوضوح: "أبلغنا الجيش اللبناني بضرورة مغادرة المنطقة الأمنية، وأبعدنا عناصره بعدما لم يستجيبوا لطلبنا ونتوقع امتناعه عن الدخول إلى المنطقة الأمنية. إقامته حواجز هناك تخالف التفاهمات"!
إهانة للبنان وجيشه وسلطته ودولته والاتفاقات والتفاهمات واستخفاف بعقول الناس واستباحة. ماذا يقول "السياديون" هنا؟ أليس في ذلك استهداف لسيادة الدولة وتحدّ لقراراتها وإساءة وتهديد للجيش؟ للأسف: بعض هؤلاء يماشي هذا الخطاب ويحمّل الجيش المسؤولية. هل التزمت اسرائيل باتفاق وتفاهم وهل احترمت وعداً أو كلمة أو قراراً؟ الالتزام الثابت الراسخ الدائم: تحقيق مشروعها. تثبيت احتلالها. معاقبة كل من يقف في وجهها. مع هذه السياسة وهذا التخلي عن لبنان وتغطية الاستباحة الاسرائيلية سيتمدّد جيش الاحتلال إلى ما بعد بعد المنطقة الصفراء، وسيستخدم الهدية الأميركية المسمومة التي أقرّت مؤخراً بتزويده بـ40.000 قنبلة منها قنابل ال 2000 طن في تلال ومواقع لبنانية أخرى.
وزير الدفاع الاسرائيلي كاتس وبعد أن تحدثوا عن منطقة رمادية روّج لبنانيون أنها تعني الانسحاب إلى منطقة أقل مساحة من المنطقة الأمنية المعلنة، قال بوضوح: "مرتفعات علي الطاهر جزء من الخط الأصفر ومنطقة الأمن الاسرائيلية في لبنان. لن نغادر المنطقة. لن ننسحب قبل نزع سلاح حزب الله من كل لبنان"! لا مواقف رمادية. لا خطوط رمادية. لا خطط رمادية. كل شيئ واضح في اسرائيل وممارساتها. ألا يكفي ما نراه ونسمعه ونعيشه لنصدق ذلك بعد كل تاريخنا من التجارب مع دولة الاحتلال والإرهاب؟ والأبشع أن قادتها يعلنون خططهم ومواقفهم ويعبّرون عن نياّتهم بوضوح أمام كل العالم وثمة من لا يزال يبرّر لاسرائيل أعمالها في لبنان ويمارس سياسة الحقد والتذاكي والتشاطر، ويوهم نفسه وناسه بأن ما يجري يصبّ في مصلحة لبنان وبتغيير موازين القوى سيعود أقوى. إنه تسميم للعقول بمواد سامة سبق أن جرّبه هؤلاء مع مواد سامة استقدموها والنتيجة كانت واضحة. هذا عقل الكهوف والحقد ووهم الرهان على دولاب يدور وفي هذه المحطة سيتوقف عند أمانيهم. إنها أخطر دورة من دورات المطحنة لطحن ما تبقى من هذا الكيان ولن يكون كل لبنان بمنأى عن نتائجها الكارثية.
في هذا الوقت انعقدت جلسة مناقشة الحكومة تحت رقابة أميركية عربية مباشرة داخل قاعة البرلمان. صراخ. شتائم. تحد. رفع أصوات. اتهامات. مستوى متدن في المضمون والشكل بما يتجاوز التوجيه المطلوب والحدود التي رسمها أصحابه. المطلوب نيل ثقة هؤلاء بتجديد الثقة بحكومة متعثرة. قلة قليلة جداً من النواب وممثلي الكتل عبّرت بطريقة محترمة لائقة واضحة في تقديم وجهة نظرها مستندة إلى معايير ثابتة. لا ابتذال. لا افتعال. وتقدير لدقة ظروف المرحلة. وفي هذا المجال ايضاً لا استغراب، والذين نزعوا ثقتهم بلبنان الكبير، والذين يستهدفون طائفة أساسية بالجملة في التعبير عن مواقفهم وقد بدا واضحاً التمايز بين ممثليها في الجلسة، والذين يراهنون على وهم "الدولاب" الدائر لمصلحتهم، في لحظة دخول المنطقة في دورة دولاب خطيرة وتشغيل محركات ومعدات وآلات المطحنة التي ستطيح بكل شيئ مع تطورات الوضع في اليمن وباب المندب، يقامرون ويغامرون مغامرة خطيرة ولا يدركون أي منقلب سينقلبون.
حسناً فعل رئيس الجمهورية بالذهاب إلى النبطية انطلاقاً من نيّته، لكن الوقائع والتحديات والتهديدات الاسرائيلية والتفلّت الاسرائيلي من أي التزام وتفاهم والنيات المعلنة تتجاوز الزيارة. وقد أطلق مستشاره موقفاً يعبّر عمّا في مكنونات نفس الرئيس منذ فترة طويلة، وقد أخرج قسماً منه في تصريحات ثلاث عندما اشار إلى "ضرورة انسحاب اسرائيل لنزع ذريعة السلاح، ودعم الجيش وعدم التشكيك به"، وذهب إلى مقاربة أوسع لطبيعة المشكلة في كلام المستشار قراءة حول الوقائع والأسباب والمخارج. المشكلة سياسية اقتصادية اجتماعية أمنية تستوجب حلولاً من نوع آخر تبدأ بدعم الدولة بعد تحقيقها خطوات متقدمة في مسار تنفيذ مهامها. نقطة انطلاق جيدة لا بد منها للانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاطي الواقعي مع الأمور. شخصياً لست متفائلاً. السبب: اسرائيل ستكمل حربها ولا حدود لها والذين كانوا يكرهون الرئيس لا يريدون وصوله "بلعوا" انتخابه. يريدون ابتلاع الرئاسة. دعموا التفاوض والاتفاق مع اسرائيل. برّروا ويبرّرون ممارساتها. واليوم ينتقدون الرئيس. يقولون كلاماً في المجالس يحمّله مسؤولية ما يجري. وما يقوم به الجيش وحملاتهم ضد قيادته لم تتوقف. ويراهنون على ما يجري في المنطقة وتغيير موازين القوى فيها، مدركين أو غير مدركين ان هذا سيجعل لبنان متروكاً أكثر، وفي آخر سلم الاهتمامات وليس في الأولويات وربما يكون ذلك يعزّز رهاناتهم وأوهامهم.
رغم كل ما جرى ويجري، حدّ أدنى من الوحدة الوطنية. تصحيح مسار الإطار، تصويب التعامل معه، تحصين الإدارة الداخلية حكومة. أداء. مواقف وممارسات وقرارات وخطوات بالإمكانات المتوفرة علّنا نتمكن من حماية ما تبقّى.