19 ربيع الثاني 1448

الموافق

الجمعة 02-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة اللاعنف... قوة الحق في مواجهة الظلم
اللاعنف... قوة الحق في مواجهة الظلم
المحامي عمر زين
2026-10-02
اللاعنف... قوة الحق في مواجهة الظلم

في الثاني من تشرين الأول من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للاعنف، وهو اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة تخليداً لذكرى ميلاد المهاتما غاندي، الذي أصبح رمزاً عالمياً للنضال السلمي والدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. وقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم عام 2007، مؤكدة الترابط بين اللاعنف وحقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح والسلام.

لكن اللاعنف، من وجهة نظر حقوقية، لا يعني الاستسلام للظلم، ولا يعني أن يقف الإنسان عاجزاً أمام انتهاك حقوقه. على العكس، فإن اللاعنف يمكن أن يكون وسيلة قوية لمقاومة الظلم والدفاع عن الحقوق من دون تحويل الصراع إلى دائرة من العنف والانتقام.

لقد أثبت غاندي أن مواجهة الظلم لا تحتاج دائماً إلى السلاح، وأن الشعوب تستطيع أن تطالب بحقوقها من خلال الاحتجاج السلمي، والمقاطعة، والعصيان المدني، والتعبير الحر، والضغط الشعبي. وقد ألهم هذا النهج لاحقاً حركات عديدة للدفاع عن الحقوق والحريات في أنحاء مختلفة من العالم.


ومن هنا، فإن اللاعنف ليس موقفاً سلبياً، بل هو موقف إيجابي وشجاع؛ لأنه يتطلب من الإنسان أن يواجه الظلم من دون أن يتحوّل هو نفسه إلى ظالم، وأن يرفض القهر من دون أن يمارس القهر، وأن يطالب بالعدالة من دون أن ينتقم.

وهنا يبرز دور القانون.

ففي الدولة التي تحترم حقوق الإنسان، يجب أن تكون أمام المواطن وسائل قانونية وسلمية للاعتراض والمطالبة بحقوقه، من خلال القضاء، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، والوسائل الديمقراطية والمؤسسات الدستورية.

أما عندما تُغلق أبواب العدالة، وتُقيّد الحريات، ويشعر الإنسان بأن القانون لا يحميه، فإن المجتمع يصبح أكثر عرضة للعنف والانقسام.

لذلك، فإن سيادة القانون هي إحدى أهم وسائل الوقاية من العنف. فالعدالة العادلة تمنع الإنسان من اللجوء إلى الانتقام، والقضاء المستقل يعطيه بديلاً عن أخذ الحق باليد، والمؤسسات القوية تسمح بإدارة الخلافات بعيداً عن لغة القوة.

واللاعنف لا يعني فقط غياب السلاح في الحروب، بل يبدأ أيضاً من حياتنا اليومية: من رفض خطاب الكراهية، واحترام الرأي الآخر، وعدم تحويل الاختلاف السياسي أو الديني أو الاجتماعي إلى خصومة وعداء.

وفي عالم يشهد نزاعات وحروباً وأزمات متتالية، تبدو الحاجة إلى ثقافة اللاعنف أكثر إلحاحاً. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن العنف يزيح الحوار، وأن احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي يشكّلان جزءاً أساسياً من طريق السلام.

وفي لبنان، حيث عرفنا آثار الحروب والانقسامات، فإن ترسيخ ثقافة اللاعنف يجب أن يكون مسؤولية وطنية. فالاختلاف السياسي لا يبرر العنف، والخلاف لا يبرر التخوين، والمطالبة بالحقوق لا تحتاج إلى السلاح، بل إلى الكلمة الحرة والقانون والمؤسسات.

إن اللاعنف لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن حقه، وإنما يطلب منه أن يدافع عن حقه بالوسائل التي تحافظ على إنسانيته وإنسانية الآخرين.

وفي اليوم الدولي للاعنف، علينا أن نتذكر أن القوة ليست دائماً في القدرة على إيذاء الآخر، بل قد تكون القوة الحقيقية في القدرة على مقاومة الظلم من دون أن نتحوّل إلى جزء منه.

فاللاعنف ليس ضعفاً، والسكوت عن الظلم ليس سلاماً؛ وإنما اللاعنف هو أن نقاوم الظلم، ونطالب بالعدالة، ونحمي حقوقنا، من دون أن نفقد إنسانيتنا.

وهنا تكمن رسالة غاندي التي لا تزال حاضرة: يمكن للحق أن يقاوم، ويمكن للعدالة أن تنتصر، من دون أن يكون العنف هو الطريق.

* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

جريدة اللواء
أخبار مماثلة