ليست المشكلة في أن يجهل الإنسان شيئًا؛ فالجهل ببعض الأمور طبيعة بشرية، ولا عيب في أن يقول المرء: لا أعرف. فالمعرفة تبدأ من الاعتراف بحدود ما نعرف، ومن الرغبة في التعلم والبحث والسؤال. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الجهل إلى موقف يتباهى به صاحبه، وحين تصبح القراءة عبئًا لا وقت له، والمعرفة أمرًا يمكن الاستغناء عنه، بل حين ينظر بعض الناس إلى من يقرأ ويبحث ويكتب ويناقش وكأنه يضيّع وقته فيما لا يستحق.
وتزداد المشكلة خطورة حين تحلّ الشذرات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي محل القراءة والبحث والتحقق؛ فيكفي مقطع قصير، أو عنوان مثير، أو منشور مجهول المصدر، أو عبارة منسوبة إلى «فلان» و«فلانة»، لتتحول في أذهان البعض إلى حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى دليل. وهنا تتراجع المعرفة أمام الإشاعة، ويتقدم الانطباع على المعلومة، ويصبح الموقف المسبق أقوى من البرهان.
إن المعرفة الحقيقية لا تُبنى على كثرة ما نسمع، وإنما على قدرتنا على التحقق مما نسمع ونقرأ. وليس كل ما يُنشر صحيحًا، ولا كل ما يُقال حقيقة، ولا كل من يتحدث في موضوع ما يمتلك المعرفة به. ولذلك ينبغي أن تبقى الأسئلة حاضرة في أذهاننا: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وما المصدر؟ وما الدليل؟ وهل تتفق هذه المعلومة مع الوقائع، أم أنها مجرد رواية متداولة؟
ومن هنا تأتي قيمة القراءة؛ فهي ليست ترفًا ثقافيًا، ولا استعراضًا للمعرفة، وإنما وسيلة لفهم الواقع وتكوين الرأي على أساس أوسع من الانطباعات العابرة. والكاتب الذي يقرأ ويبحث ويدقق لا يفرض رأيه على أحد، وإنما يقدم مادة تساعد على التفكير والحوار. ومن حق القارئ أن يناقش ويختلف ويعترض، لكن على أساس المعرفة والدليل، لا على أساس الرفض المسبق أو الاستهانة بجهد الآخرين.
والأخطر أن يتحول الرأي إلى قناعة مغلقة، ثم تتحول القناعة إلى موقف لا يقبل المراجعة مهما ظهرت من أدلة. عندها لا يعود الحوار بحثًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى محاولة لإثبات صحة ما نعتقده مسبقًا. ويصبح تغيير الرأي، حتى بعد ظهور خطئه، وكأنه انكسار أو هزيمة.
والحقيقة أن العكس هو الصحيح؛ فالاعتراف بالخطأ قوة، ومراجعة الموقف شجاعة، وتصحيح المعلومة نضج، وتغيير الرأي أمام الدليل انتصار للعقل لا هزيمة له. فالتعلم الحقيقي ليس أن نظل أسرى لما عرفناه بالأمس، وإنما أن نكون مستعدين لتصحيح معرفتنا كلما ظهرت حقائق جديدة أكثر دقة وأقرب إلى الواقع.
إن تحرير العقل من الأوهام والأساطير والإشاعات لا يعني التخلي عن المبادئ، بل يعني حمايتها من الزيف، وتنقية الفكر من الروايات التي لا تصمد أمام التمحيص، وربط المواقف بالواقع لا بالأوهام.
نحن بحاجة إلى ثقافة تعيد للقراءة مكانتها، وللسؤال احترامه، وللدليل قيمته، وللحوار غايته الحقيقية: الوصول إلى الحقيقة، لا الانتصار للرأي.
فالحقيقة أوسع من قناعاتنا، وأكبر من أوهامنا؛ وكلما اتسع العقل للبحث والمراجعة، تحرر من أسر ما يظنه حقيقة، واقترب أكثر من الحقيقة ذاتها...
د. عبد الرحيم جاموس
3/10/2026 م