لا يختلف عاقلان في السياسة على أن الاتفاق الثلاثي بين لبنان وأميركا وإسرائيل، وما أنتجه من إطار يفترض أن يشكّل مساراً لحلّ النزاع بين لبنان وكيان الاحتلال، يشوبه خلل في تركيبة النص ومساحة لتغيير مضمونه، بما يضع جملة من العراقيل، ولا سيما لجهة تنفيذه من قبل الطرفين.
ففي وقت يؤكد لبنان التزامه بنص الاتفاق، روحاً ومضموناً، برزت مؤشرات أوحى من خلالها رئيس الجمهورية بأن التعويل على واشنطن، إذا لم يُثمر إلزاماً للكيان الإسرائيلي بتنفيذ ما عليه من بنود الاتفاق، فإن الوضع جنوباً سيبقى في مهبّ ريح الفوضى والعدوان، ولن تتمكن الدولة من تطبيق ما التزمت به، ولا سيما لجهة ملف حصر السلاح وبسط سيادتها.
وهذا ما تقاطع مع تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي رأى في الدور الأميركي، ولا سيما دور الرئيس ترامب، السبيل الوحيد للضغط على إسرائيل لوقف حربها.اقرأ كتب التاريخ
من هنا، ترى الأوساط المتابعة أن تطورات المنطقة وملفاتها المعقّدة، ولا سيما ما يتعلق بالنزاع الإيراني - الأميركي، تتقدم على ما عداها من ملفات، بحيث يبقى لبنان تفصيلاً في أجندة تل أبيب وواشنطن، وليس عنواناً رئيسياً في أي استحقاق.
ومن هنا، تربط الأوساط المتابعة اختيار رئيس الحكومة نواف سلام الجمعية العامة للأمم المتحدة منصةً لإعلانه عن مطلبين لبنانيين في جملة سياسية واحدة: «انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية» من جهة، و«بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها» من جهة أخرى، مفنّداً الأهداف المراد تطبيقها والمشكلة التي عطلت الوصول إليها، ومطالباً بترجمة الإطار الثلاثي إلى إجراءات ملموسة وفق جدول زمني واضح وآلية للتحقق من التنفيذ.
وفي الوقت نفسه، أبقى لبنان مشاركته في جولة جديدة من المفاوضات قائمة، من دون أن يعلن تعليق مشاركته فيها، وهذا يؤشر مجدّداً إلى أن القرار ليس بيد بيروت بقدر ما هو مرتهن، سياسياً واقتصادياً، لضغوط الإدارة الأميركية.تاريخ لبنان
والسؤال الذي يطرح في هذا الإطار هو: ما الجديد في إعلان حصرية السلاح أو المطالبة بالانسحاب؟ فكلاهما كان حاضراً منذ أشهر في المواقف اللبنانية الرسمية، وحتى في بنود اتفاق الإطار. إنما تكمن المحاولة في نقل النقاش من الالتزامات العامة إلى جدولتها.
فالاتفاق يتضمن تأكيداً على عملية متبادلة ومتدرجة، بشروط واضحة، تربط استعادة الدولة سلطتها بمسار محدد يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي، وصولاً إلى الإفراج عن الأسرى، ومن ثم البدء بإعادة إعمار القرى المدمرة.
هنا يتوضح حجم العقدة التي يبحث لبنان عن حل لها منذ توقيع الإطار، إذ يستطيع كل طرف أن يجد في النص سبباً لانتظار الطرف الآخر. إسرائيل تستطيع القول إن انسحابها مرتبط بتقدم يمكن التحقق منه في حصر السلاح، فيما يستطيع لبنان التمسّك بأن استكمال بسط سلطة الدولة على أراضيها يتطلب انسحاب القوات الإسرائيلية منها وتمكين الجيش من الانتشار.
وبين عقدة لبنان وشروط إسرائيل، يمكن لمسار يُفترض فيه أن يقوم على تبادل الخطوات، لكن ما يجري يتجاوز السباق حول إثبات الالتزام، بقدر ما أصبح يتعلق بانكشاف النوايا الإسرائيلية الواضحة من خلال استمرار احتلالها أجزاء من جنوب لبنان.اقرأ كتب التاريخ
وتضيف المصادر أن رئيس الحكومة نواف سلام يضع مفهوم السيادة في المقدمة، باعتباره الرابط بين المطلبين، لا المقايضة بينهما. ففي كلمته أمام مجلس النواب في الخامس عشر من أيلول، قال إن السيادة تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سيطرة الدولة بقواها الذاتية والعمل على حصر السلاح بيدها.
وأعاد الفكرة نفسها من نيويورك، حين شدّد على أن السيادة لا تُطبّق على دفعات ولا تتجزأ.
ليبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، في ظل ما يصاحب تطورات المشهد الميداني، هو الالتباس في رؤية البعض: فإذا كان لبنان، وطبقاً لنص الاتفاق، يقوم بتنفيذ مندرجاته وفق الترتيبات المطلوبة، بينما لا يحرك الاحتلال ساكناً تجاه ما هو مطلوب منه، بل على العكس، يواصل فرض المزيد من الوقائع الأمنية والعسكرية تحت مظلة دعم سياسي وعسكري أميركي واضح، مع غياب أي ضغط من واشنطن يصب في مصلحة لبنان، فإن ذلك يؤكد استخلاصاً مفاده أن لبنان، بقدر ما يشكّل ورقة أميركية رابحة، يبقى أيضاً تفصيلاً وسط زحمة التسويات الكبرى التي تعيد رسم خريطة المنطقة