في سياق تعميم مشروع التهويد على كل الجغرافيا الفلسطينية، وخصوصًا أراضي الـ48، نشهد، بالتلازم مع الأعمال العدوانية، حملة تزوير للحقائق وقلب للمفاهيم وتسميم للعقول بمواد كاذبة مضلّلة لتبرير ما يجري. يحاول المسؤولون الإسرائيليون من خلالها اتهام الفلسطينيين بما يقوم به الجيش الإسرائيلي وقوات الشرطة والمستوطنون.
وزير المالية سموتريتش يقول: "نعم، هناك بين عرب إسرائيل رفع رأس!! وتطرف قومي وشعور بنوع من السيادة وكأنهم أصحاب البيت. الناس يشعرون بهذا في الطرقات، في مراكز التسوق، في أنحاء المدن. يشعرون بانعدام الأمن الشخصي. بناتنا لا يستطعن التجوّل بحرية والشعور بالأمان. يأتي العرب ليلًا بالصفير والمضايقات، بضجيج كبير، بحفلات ونيران المخيمات"!!
لنفترض أن هذا صحيح، فلماذا يحصل؟؟ أليس من باب رد الفعل على ما يتعرّض له العرب من حقد وكراهية وتهديد ووعيد وطرد من المنازل ومضايقات في سبيل إتمام مشروع تهويد أرضهم، وما يثيرهم من اعتداءات متواصلة على المسجد الأقصى وكل المقدسات الإسلامية والمسيحية وانتهاك كل الحرمات والخصوصيات؟؟ والمشهد يشهد، بل المشاهد تشهد.
في اليوم ذاته الذي قال فيه سموتريتش كلامه، كانت فتاة درزية تتعرض لهجوم وتنمّر داخل حافلة إسرائيلية لكونها أجرت اتصالًا باللغة العربية، فقيل لها: "أيتها العربية القذرة، انزلي من الحافلة. لا مكان لك في هذه الدولة". كل ما فعلته أنها تحدثت بالعربية، ولم يتدخل أحد من الركاب خوفًا من الاصطدام بهؤلاء. واللافت أن شقيقها طيار في الجيش ووالدها مقاتل في وحدة خاصة. طويت القصة ولم يحاسب أحد!!
ممنوع أن تتكلم العربية. هذا وجه من وجوه العنصرية. وممنوع أن ترفع رأسك. ففي دولة الحرية والديمقراطية إسرائيل، كما يزعمون، الدولة اليهودية العنصرية، يجب أن تعيش ذليلًا. ولاحقًا ستطرد.
وما هذه الحملة إلا لتشويه الصورة، كما ذكرنا، وقلب الحقائق و"إلباس" العرب ثوب الإجرام والاحتقار والكراهية والحقد الذي يغطي أعمال الإرهابيين الإسرائيليين، واتهامهم بما يفعلون. عملية خطيرة ساقطة سلفًا. الواقع يفضحها ويفضح أصحابها، وهم مدانون على مستوى العالم كله بصرخات الملايين الذين لم يتوقفوا عن كشف الحقيقة وأدواتها، وباعترافات المسؤولين الإسرائيليين أنهم يواجهون حالة غير مسبوقة، وقول بعضهم: "لقد تحولنا إلى دولة منبوذة وصورتها مشوّهة".
كذلك هم يدينون أنفسهم بتصريحاتهم التي تكشف حقيقة مشروعهم. وما محاولة الانقلاب على الحقيقة والمفاهيم والوقائع إلا للتحريض على العرب.
ها هو سموتريتش نفسه يقول: "أصبحت غزة أكبر سجن في العالم. ويعود ذلك إلى مصر التي ترفض عبور سكانها الراغبين في المغادرة إلى دول أخرى. يعود إلى نفاق الدولة العربية التي تظهر حبًا واهتمامًا كبيرين بالفلسطينيين شريطة بقائهم هنا واستخدامهم كسلاح في الحرب ضد دولة إسرائيل، في حين ترفض هي استقبالهم"!!
وكأن كل ما جرى ويجري في غزة وأدانه العالم كله تتحمل مسؤوليته مصر بموقفها المذكور!!
وأضاف: "تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن غالبية سكان غزة لا يرون مستقبلًا لأنفسهم هناك، ويبحثون عن فرصة لبدء حياة جديدة في مكان آخر. وإلى جانب الهزيمة العسكرية للمنظمات الإرهابية واستعادة السيطرة الإسرائيلية، ينبغي أن تتضمن المرحلة النهائية للحرب مسارًا قانونيًا وعمليًا وكريمًا لأولئك الذين يرغبون في مغادرة غزة طواعية. نحن نقول الله اختارنا ولم يتركنا. اختارنا فوق كل شيء، ولم تتغير جميع الشعوب - المسلمون والمسيحيون - وهم يدّعون أنهم يحلّون محل الشعب اليهودي. ويقول المسيحيون إن الشعب اليهودي يحتاج إلى البقاء كشعب مضطهد. ولكن ماذا عندما يعود شعب إسرائيل إلى دولته؟؟ لقد عاد وبدأ يلمع على مسرح التاريخ ويزدهر. لقد أصبحنا قادة في التكنولوجيا والاقتصاد. الرب لم يتركنا. ومقولة إن الله تخلى عن اليهود مقولة بلا أساس"!!
ثم قال: "أريد غزة كلها. غزة لنا. أريدها من منطلق صهيوني ومن منطلق أمني".
فماذا يُنتظر من أبناء غزة الذين يعرفون هذه الحقيقة الواضحة الفاضحة عندما يريد المحتل كل غزة، ومن لا يقبل يكون مصيره الإبادة الجماعية، ومن ينجو يجب أن يُهجّر؟؟
وعن الضفة قال: "ممنوع على الجيش الإسرائيلي الانسحاب من مخيمات جنين وطولكرم، وممنوع السماح بعودة السكان العرب إلى المخيمات. يجب إصلاح قضاة المحكمة العليا، وأطالب نتانياهو ووزير الجيش كاتس برفض أي قرار للمحكمة بتقييد عمليات الجيش في المخيمات".
ودعا في كلام سابق إلى: "شنّ حرب على الضفة الغربية على غرار قطاع غزة وتفكيك السلطة الفلسطينية، هي سلطة إرهاب"!!
بعد أيام، وفي احتفال انتخابي، قال كاتس: "سنوقف مشاركة بريطانيا في تأهيل قوات السلطة الفلسطينية في الضفة"، مؤكدًا ما دأب على إعلانه بإصرار، هو ونتانياهو: "هي سلطة تدعم الإرهاب. ولن يكون لها دور. ويحظى هذا الأمر دائمًا بدعم أميركي".
وأكمل سموتريتش حملته فقال: ".... الخلاص لا يبدأ بمجيء المسيح بل بالاستيطان في أرض إسرائيل من خلال الصهيونية".
وأضاف، في سياق تأكيد الإسراع في تغيير القواعد: "شهدت العقود الأخيرة جولات متكررة من القتال كانت تنتهي عند نفس الحدود التي بدأت عندها. من منظور أعدائنا، كان ذلك وضعًا يحقق مكاسب للطرفين، ونتيجة لذلك فإنني أدعو إلى تبني نموذج عسكري سياسي جديد قديم، وهو نموذج كان يمثل القاعدة العالمية السائدة قبل أن تفرض الليبرالية حظرًا مطلقًا على استحواذ الدول القومية على أراضٍ من خلال الحرب. أدعو دولة إسرائيل إلى بسط سيادتها بشكل دائم على المناطق الخاضعة لسيطرتها حاليًا في كل من غزة ولبنان، ومن شأن ذلك أن يظهر لأعدائنا ثمن الهزيمة وأن يخلق ردعًا ضد أي هجمات مستقبلية على إسرائيل ومواطنيها".
هل ثمة كلام أوضح وأبلغ؟؟
"من لبنان إلى غزة والضفة، لا يفكرنّ أحد بانسحاب. نتعامل معكم من النقطة والموقع اللذين وصلنا إليهما. زمن الأول تحوّل. ثمة مفاهيم جديدة. وننطلق منها لنكمل مشروعنا وتمدّدنا وتوسّعنا واحتلالنا وصولًا إلى النقب والجليل".
"ولا يفكرنّ أحد باتفاقات دولية أو قوات فصل دولية، أو قوات مراقبة دولية - مثل اليونيفيل في جنوب لبنان - كل شيء يجب أن يكون تحت سيطرتنا ورقابتنا وقوانيننا. هذه أرضنا. وعدنا الله بها".
هذه هي قواعد إسرائيل.
سبق أن كتبت ونقلت كلامًا واضحًا لنتانياهو وسموتريتش نفسه في الاتجاه ذاته، قال فيه الأخير: "ما جرى ويجري في الضفة سوف يتكرر في النقب والجليل على نطاق واسع. سنأتي بمليون يهودي إليهما. ونبني المستوطنات والمزارع ومئات الآلاف من الوحدات السكنية، وهذا يستوجب إلغاء مخططات في البلدات العربية لأنها تستحوذ على احتياجات الأراضي وتهدّد الاستيطان اليهودي، وسننشئ مناطق صناعية ومراكز توظيف وتعيين كوادر صهيونية في مواقع رئيسية بإدارة التخطيط وسلطة أراضي إسرائيل".
وعندما يتحدثون عن النقب والجليل فهم يستهدفون عرب الـ48. يعني يريدون شطب مكونات فلسطينية أساسية وطردها، علمًا أن عددًا من أبنائها يخدمونهم!!
بن غفير، زميل وشريك سموتريتش في ممارسة الإرهاب، وقف متباهيًا في القدس شاهدًا على هدم مبنى، ثم اعتلى الجرافة مشاركًا في العملية وقال: "هذه هي السيادة في القدس. نحن نهدم ونهدم ونهدم. هذا مبنى مكوّن من 5 طبقات تسكن فيها 10 عائلات. رأوا القوات. فهموا الرسالة. قاموا بالإخلاء بأنفسهم. نحن هنا. أصحاب البيت. وهناك رسالة واضحة جدًا. القدس لنا. ودولة إسرائيل لنا. أحب صوت انهيار المبنى كثيرًا. يحب تفكيك السلطة الفلسطينية ومصادرة أسلحتهم واعتقال عناصرهم وألا يكرّر الخطأ مرتين"!!
يريدون الاستيطان في كل مكان.
عضو الكنيست السابق موشيه فيغلين قال في حوار تلفزيوني: "يجب ضم كل شيء في الضفة وغزة. قبل أن نتحدث عن رد الفعل الدولي يجب أن تدركي: الطفل الذي سيولد غدًا هناك، الطفل العربي، لاحظي لا أقول حماس. العدو هو غزة وليس حماس. الطفل الذي سيولد هناك سيفعل الشيء نفسه لطفلك الذي سيولد في القدس. هذا ما يتعلمونه مع حليب أمهاتهم. ليس هناك طريقة لتغييرهم وانتشالهم من جهلهم. أوضحوا كلامهم في 7 أكتوبر. إذا لم تسمعي كلامهم بأفواههم وسكاكينهم فأنت لست أخلاقية ولا تتحملين مسؤوليتك تجاه طفلك"!!
كلمة عربي تعني أيضًا غير الفلسطيني، ولذلك يركّزون على تفتيت العرب والسيطرة على ثرواتهم وإشعال الحروب بينهم. طريق إسرائيل: الحروب المفتوحة في المنطقة. هذه هي "التعبئة الأخلاقية" على حد قول فيغلين وممارسات نتانياهو وكاتس وسموتريتش وبن غفير وغيرهم وغيرهم....
تهويد النقب والجليل يعني السيطرة على كل أراضي فلسطين. تهجير أهلها. والحديث عن دولة بلا حدود يعني الحاجة إلى توسّع أكبر في الجوار لتنفيذ مشروعهم الأصلي، وقد خطوا خطوات متقدمة في هذا المجال ومستمرون في سياستهم القديمة بمفاهيم جديدة أيضًا.
كل هذا يحظى بمباركة ترامب، وخير معبّر عن ذلك سفيره في إسرائيل الذي قال: "نتانياهو ردّ بقوة على بعض الانتقادات السخيفة، ومنها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة!! إذا كنت ترتكب إبادة جماعية وعدد سكان غزة ينمو بنسبة 40%، فمن الواضح أنك لست بارعًا في الإبادة"!!
يعني مطلوب القضاء على النسل من أساسه. لكن أبناء فلسطين يهرّبون النطف المنوية من السجون ويتزوجون بطرق خاصة وشرعية وينجبون، إضافة إلى المعذبين الآخرين الباقين على أرضهم الرافضين مغادرتها. وهذا ما يزيد في حقد وكراهية الإسرائيليين لهم.
وكذلك هاغابي الذي أضاف: "التفسير الوحيد لصعود إسرائيل هو أن الله منح هذه الأرض للشعب اليهودي. من مسؤوليتنا أن نكون داعمين وأن نكون محترمين وأن ندرك أننا إذا باركنا إسرائيل سنُبارك، ولكن إذا لعنّاها سنُلعن"!!
"إن الشعب اليهودي هو الوحيد الذي كانت القدس عاصمة له طوال 3000 عام. وبصفتنا شركاء إسرائيل سنبدأ قريبًا ببناء سفارة في موقع جديد داخل القدس وسنترك بَصمتنا هناك".
هل ثمة أخطر من هذه المباركة والبَصمة الجديدة الموضوعة؟؟ وهل نبقى كعرب نترك صَمتَنا بَصمتَنا إلى أن تضع إسرائيل يدها على كل شيء عندنا؟؟ ونقيم الاحتفالات ونستمر بالتغنّي بالإبراهيميات القديمة وننتظر إبراهيميات جديدة؟؟