لم تعد احتمالات اندلاع جولة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد فرضيات تتداولها غرف التقدير الاستراتيجي، بل باتت، وفق المؤشرات المتداولة، أقرب إلى سيناريو تتراكم حوله مقدمات التنفيذ، من الحشود والاستعدادات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، إلى ما يُثار بشأن أدوار خليجية محتملة، مروراً بالتهيئة السياسية والدبلوماسية والإعلامية اللازمة لتسويق مواجهة قد تتجاوز في أهدافها وحدودها كل الجولات السابقة. فالمشهد لا يوحي بمجرد استعراض للقوة أو تحسين لشروط التفاوض، بقدر ما يثير احتمال الانتقال من سياسة استنزاف إيران إلى محاولة إخضاعها استراتيجياً. والأخطر أن التحضيرات المفترضة لا تستهدف بالضرورة توجيه ضربة عسكرية محدودة، بل قد تؤسس لحرب متعددة الأدوات، تتداخل فيها النيران مع العقوبات، والاختراقات الأمنية مع التفكيك الاقتصادي، وصولاً إلى محاولة زعزعة التماسك الداخلي للدولة الإيرانية.
في المقابل، يبدو أن دونالد ترامب يخوض سباقاً متسارعاً مع الوقت، بعدما تحوّل الملف الإيراني من استحقاق أراد حسمه سريعاً إلى معضلة استراتيجية تستنزف رصيده السياسي وتضع صدقية تهديداته أمام اختبار بالغ الحساسية. فالرئيس الذي راهن على إخضاع طهران خلال مهلة قصيرة يجد نفسه أمام خصم لم تنجح الضغوط في انتزاع استسلامه السياسي، فيما تتعاظم كلفة المواجهة واحتمالات انعكاساتها على الاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية وأمن الطاقة والممرات البحرية. ومن هنا، يمكن قراءة اندفاع واشنطن المحتمل نحو مسارين متوازيين: بلوغ أقصى درجات الخنق الاقتصادي والمالي، بالتزامن مع إبقاء الخيار العسكري جاهزاً للانتقال من الردع إلى التدمير المنهجي لمقومات القوة الإيرانية. غير أن المعضلة الأعمق تكمن في أن ترامب، إذا اختار التصعيد الشامل، قد يجد نفسه أمام حرب يستطيع إشعالها، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على التحكّم بمداها أو توقيت نهايتها.
أما على مستوى التنسيق الإقليمي، فإن الحديث عن تكثيف اللقاءات السياسية والعسكرية والأمنية والمالية بين واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم الخليجية، وما يتردد عن خطط عملياتية وتدريبات وتحركات جوية مشتركة، يعكس، إذا تأكدت تفاصيله، انتقالاً نوعياً من التنسيق الدفاعي إلى التحضير لخيارات هجومية أوسع. وفي هذا السياق، تبرز المفارقة بين خطاب ترامب الذي يترك نافذة مواربة للتفاهم مع طهران، وبين المقاربة الإسرائيلية التي يمثلها نتنياهو، والقائمة على اعتبار بقاء النظام الإيراني متماسكاً إخفاقاً استراتيجياً، مهما بلغت الخسائر التي تلحق بقدراته العسكرية. وعليه، فإن أخطر السيناريوهات لا يتمثل في استهداف المنشآت العسكرية والنووية فحسب، بل في ضرب البنية الاقتصادية والخدمية ومفاصل الدولة الحيوية، أملاً في تحويل الإنهاك الاجتماعي إلى اضطراب سياسي، والاضطراب إلى تصدعات أمنية وقومية، وصولاً إلى تفكيك مركزية الدولة من الداخل. إنها مقاربة تراهن على أن ينجز الانهيار الداخلي ما قد تعجز الحرب الخارجية عن تحقيقه، لكنها تتجاهل أن تفكيك دولة بحجم إيران وتركيبتها الجغرافية والديموغرافية قد يفتح أبواب فوضى إقليمية يستحيل احتواؤها.
وفي موازاة ذلك، تواجه طهران معضلة جيوسياسية لا تقلّ خطورة عن التهديد العسكري المباشر، تتمثل في حدود المساندة التي يمكن أن تقدمها موسكو وبكين عند بلوغ المواجهة ذروتها. فروسيا، المحكومة بحساباتها الاستراتيجية المعقدة مع واشنطن، والصين، الحريصة على استقرار تجارتها ومصالحها الاقتصادية وتجنّب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، قد تفضّلان إدارة الأزمة ومنع الانهيار الإيراني على الانخراط في مواجهة مفتوحة دفاعاً عنها. وهذا لا يعني تخلّيهما عن طهران، بل يكشف الفارق الحاسم بين الشراكة الاستراتيجية والتحالف العسكري الملزم. فإيران، رغم عمق علاقاتها الدولية، قد تجد نفسها مضطرة إلى خوض أخطر اختبار وجودي بالاعتماد أساساً على قدراتها الذاتية وشبكة أوراقها الإقليمية، في لحظة يسعى فيها خصومها إلى تضييق هوامش المناورة أمامها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
والخلاصة أن المنطقة قد تكون أمام مفترق يتجاوز سؤال اندلاع الحرب إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا سيبقى من النظام الإقليمي إذا اندلعت، ومن يستطيع فرض نهايتها؟ فإسقاط النظام الإيراني ليس مرادفاً لإسقاط الدولة، وتدمير قدراتها العسكرية لا يضمن إخضاع قرارها السياسي، كما أن إشعال اضطرابات داخلية لا يعني بالضرورة إنتاج سلطة بديلة مستقرة. والأشد خطورة أن الحرب التي قد تبدأ بهدف إعادة تشكيل إيران يمكن أن تنتهي بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله، ولكن على نحو لا يشبه حسابات من خططوا لها. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لواشنطن وتل أبيب لن يكون في القدرة على إطلاق الضربة الأولى، بل في امتلاك تصور قابل للتحقق لليوم التالي. ففي الجغرافيا السياسية، ليست الكارثة دائماً أن تفشل الحرب في تحقيق أهدافها، بل أن تنجح في هدم التوازنات التي كانت تمنع انفجار ما هو أعظم منها.
كاتب سياسي