10 جمادى الأولى 1448

الموافق

الخميس 22-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة قصر علي آغا حمود التاريخي من "صرحٍ تراثي قرطبي عريق" إلى "منارة للثقافة وذاكرة صيدا" والمقاصد
قصر علي آغا حمود التاريخي من "صرحٍ تراثي قرطبي عريق" إلى "منارة للثقافة وذاكرة صيدا" والمقاصد
2026-10-22
قصر علي آغا حمود التاريخي  من "صرحٍ تراثي قرطبي عريق" إلى "منارة للثقافة وذاكرة صيدا" والمقاصد

يقف قصر علي آغا حمود في قلب صيدا القديمة شاهدًا على عراقة المدينة وثراء تاريخها الحضاري، وواحدًا من أبرز معالمها المعمارية التي تختزن صفحات من تاريخها الاجتماعي والسياسي والتربوي. شُيّد القصر في العهد العثماني، ويعود بناؤه، وفقًا للنقوش والمراجع التاريخية، إلى نحو عام 1730 ميلادي، ليكون مقرًا سكنيًا لعائلة علي اغا حمود، قبل أن يتخذه والي صيدا أسعد باشا العظم مقرًا له خلال فترة حكمه المدينة. 

ويتميّز القصر بطرازه العربي الإسلامي الاندلسي الأصيل،  التي تعكس براعة الحرفيين والفنانين الذين أسهموا في تشييده على الطراز القرطبي الاندلسي. وهو بذلك ليس مجرد مبنى قديم، بل نموذج حيّ للعمارة التقليدية التي تجسّد تفاعل التأثيرات الفنية بين صيدا ومدينة قرطبة في امارة الاندلس الاسلامية.

من قصر تاريخي إلى صرح للتعليم

اكتسب القصر أهمية استثنائية في تاريخ صيدا عندما أصبح وقفًا لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا، واتخذته الجمعية مقرًا لمدرسة عائشة أم المؤمنين. وقد ارتبط اسمه بمسيرة التعليم والعمل الخيري، وبالجهود الرامية إلى توسيع فرص التعلّم أمام أبناء المدينة وبناتها.   

 فهي تعبّر عن رسالة المقاصد في جعل التعليم سبيلًا للارتقاء الاجتماعي وبناء الإنسان، وعن أهمية إتاحة فرص التعليم للفتيات في مرحلة كانت فيها هذه الفرص أقل انتشارًا. وقد أسهمت هذه الرسالة في تعزيز حضور المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية، وفتح آفاق أوسع أمام الأجيال الصيداوية. 

من ذاكرة التعليم إلى ذاكرة المدينة

بعد انتقال المدرسة، مرّ القصر بمراحل صعبة، ولا سيما خلال سنوات الحرب الأهلية، قبل أن تتجه الجهود إلى ترميمه وإعادة تأهيله. وشهد أواخر التسعينيات أعمالًا متخصصة لصون عناصره المعمارية والتراثية، في إطار تعاون بين جمعية المقاصد ومؤسسة الحريري، بما ساعد على استعادة جانب مهم من ملامحه التاريخية. 

واليوم، تأتي الخطوة التي يقودها رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا، الأستاذ فايز البزري، وأعضاء المجلس الإداري الحالي، لإحياء القصر وتفعيل دوره من خلال مركز عائشة أم المؤمنين الثقافي، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لرسالة الجمعية التاريخية. فالهدف لا يقتصر على صون المبنى وحماية جمالياته المعمارية بل  تحويله مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا ومتحفًا يوثّق تاريخ جمعية المقاصد ومسيرتها التربوية والخيرية، ويحفظ ذاكرة مدينة صيدا وأعلامها ومحطاتها الحضارية.

من خلال المعارض والندوات والأنشطة الثقافية والتربوية والاجتماعية، يمكن لهذا الصرح أن يصبح مساحة حيّة للقاء الأجيال، وللتعريف بتاريخ المدينة ومؤسساتها وروّادها، وتعزيز ارتباط أبنائها بتراثهم وهويتهم، إلى جانب الإسهام في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية والاقتصادية في صيدا القديمة.

شاهد على الماضي ومنارة للمستقبل

إن إحياء قصر علي آغا حمود  هو استثمار في الذاكرة والهوية والإنسان. فمن هذا القصر انطلقت صفحة من صفحات التعليم المقاصدي، وفيه تتجسّد اليوم فرصة جديدة لربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

وإذ تتطلع جمعية المقاصد إلى استعادة هذا الصرح مكانته الثقافية والاجتماعية، فإنها تؤكد أن حماية التراث لا تنفصل عن حماية رسالة العلم والعمل الخيري، وأن المدينة التي تصون مبانيها التاريخية وتحفظ ذاكرة مؤسساتها إنما تحمي جزءًا أصيلًا من شخصيتها ومستقبلها.

قصر علي آغا حمود سيبقى، بإذن الله، شاهدًا على ماضي صيدا العريق، ومرآةً لمسيرة المقاصد التربوية والإنسانية، ومنارةً للأجيال القادمة، تؤكد أن التراث ليس إرثًا نحتفظ به فحسب، بل أمانة نحسن صونها، ورسالة نجددها، وثروة ثقافية واجتماعية واقتصادية نبني بها مستقبل المدينة.

أخبار مماثلة