ينشىء الفنان الباكستاني تُسيف أحمد Tusif Ahmad نظاماً بصرياً أقرب إلى العمارة الحروفية، نظاماً تتداخل فيه الكتابة مع النبات، والزخرفة مع الهندسة، والكتلة مع الفراغ، حتى يصبح من الصعب الفصل بين الحرف باعتباره علامة لغوية والحرف باعتباره مادة تشكيلية. فيضع المتلقّي أمام عمل يبني عالمه من الأسود والأبيض، أي من أقصى درجات الاختزال اللوني، لكنه يعوّض غياب اللون بتعدد هائل في كثافة الخطوط واتجاهاتها وسرعاتها البصرية. في الجهة البيضاء من اللوحة تتكاثر الوحدات النباتية والحروفية كما لو أنها أنسجة دقيقة تتنامى بلا مركز ثابت، بينما تنفتح في الجهة السوداء منطقة كونية مختلفة من نجوم، مدارات، دوائر، أشكال سماوية، ومساحات معتمة تتخللها علامات بيضاء دقيقة. هذا التقابل لا يبدو مجرد تقسيم للسطح، بل يشبه معادلة هندسية بين المادة والعدم، الامتلاء والتخلخل، الضوء والظلمة. والحرف في أعماله لا يُقرأ فقط، بل يُقاس عبر سماكة، وانحناء، واتجاه، ومجال تأثير، ومسافة فاصلة بينه وبين حرف آخر. فهل يمكن اعتبار أعماله تجربة في تحويل اللغة إلى هندسة، وتحويل الكتابة إلى فضاء، وتحويل الفراغ من خلفية صامتة إلى عنصر فاعل في تكوين المعنى؟
القيمة الأساسية في أعماله تكمن في أن الحرف لا يظهر كجسم منفرد، بل يدخل في شبكة بنائية شديدة التعقيد. فالخطوط العربية، بما تمتلكه من مرونة وانسياب وقابلية للتمدد والتشابك، تسمح لـ تُسيف بأن يتعامل معها كما يتعامل المهندس مع الخطوط الإنشائية من خط يحمل، وآخر يربط، وثالث يحدد محيطاً، ورابع يترك فراغاً مقصوداً. وعندما نتأمل الوحدات الحروفية المنتشرة في اللوحة، نجد أن بعضها يتحوّل إلى تكوينات نباتية، وبعضها إلى أشكال هندسية، وبعضها يفقد وظيفته القرائية تقريباً ليصبح إيقاعاً خطياً. إذ تبرز أهمية مفهوم المنطق الهندسي للحروف، فالهندسة ليست في وجود المربع أو الدائرة أو المعين فقط، وإنما في العلاقات التي تنشأ بين العناصر مثل التماثل واللاتماثل، المحور والانحراف، التكرار والقطع، التقارب والتباعد، التوازن والاختلال المحسوب. حتى الكتل الدائرية والمربعة والمائلة في العمل تبدو كأنها نقاط ارتكاز داخل منظومة أكبر، بينما تقوم التفاصيل الدقيقة بعملية ربط بين هذه المراكز. ويمكن قراءة اللوحة كخريطة تتوزع فيها القوى البصرية، لا كزخرفة تملأ المساحات كيفما اتفق. إن الحرف يصبح وحدة قياس، والزخرفة تصبح نظاماً شبكياً، والتكرار يتحوّل إلى إيقاع هندسي يشبه الإيقاع الموسيقي، لكنه مكتوب بالخطوط بدل الأصوات.
كما أن الفراغ في أعماله ليس مساحة متروكة لأن تُسيف لم يجد ما يضعه فيها، بل هو جزء من البنية مثلما الفراغ مشحون بالنجوم والمدارات والأقواس، أي أن تُسيف يخلق نوعاً من الفراغ الحي الذي يتحرك داخله البصر. في المقابل، تتكدس المنطقة البيضاء بالخطوط والزخارف حتى تكاد تتحوّل إلى مادة صلبة. فهناك ضغط بصري مرتفع في بعض المناطق، يقابله تمدد وتخلخل في مناطق أخرى. العين تنتقل بين هذه المجالات كما تنتقل الجسيمات داخل حقل من القوى، تنجذب إلى البؤر السوداء الثقيلة، ثم تنفلت عبر الخطوط البيضاء الدقيقة، وتعود إلى مراكز دائرية أو كتابية تعمل كجاذبية تشكيلية. حتى الفراغات الصغيرة المحصورة بين الحروف والنباتات تؤدي وظيفة تنفسية، فهي تمنع الكتلة من التحوّل إلى انسداد بصري كامل. ولذلك فإن نجاح العمل لا يقوم على كثرة التفاصيل وحدها، بل على قدرة الفنان على تنظيم المسافة بين التفاصيل. إن الفراغ هو الذي يمنح الخط وجوده، كما أن الصمت هو الذي يمنح الصوت قابليته للتمييز.
إن تقنية التفريغ في بناء أجزاء من اللوحة، يفسر جانبًا مهماً من صرامة الحواف وتكرار الوحدات وتوزيع الأسود والأبيض. إذ يصبح الكرتون أكثر من أداة تنفيذ، يتحوّل إلى وسيط مفاهيمي بين الرسم والنحت والطباعة. فالتفريغ يعني أن الفنان لا يضيف المادة فقط، بل يقوم أيضاً بحذفها، ويصنع الصورة من خلال ما يسمح للضوء أو الحبر أو اللون بالمرور وما يمنعه. وهنا يصبح فعل القطع فعلاً كتابياً فالحرف يُعرَّف أحياناً بما هو موجود، وأحياناً بما هو مفقود حوله. وهذه النقطة تفتح قراءة عميقة للعمل، فالفنان لا يرسم الخط وحده، بل يرسم الفراغ المحيط بالخط في الوقت نفسه. إن أداة القطع تفرض انضباطاً هندسياً، لأن كل شق وكل فتحة وكل جسر بين أجزاء الشكل يؤثر في استقرار الوحدة. ولذلك يمكن النظر إلى التقنية المفترضة بوصفها عملية بناء عكسية، فبدل أن يبني تُسيف الشكل بإضافة الخطوط، يبنيه بإزالة أجزاء من السطح حتى يظهر الشكل. هذه العلاقة بين الأثر والمحو تمنح العمل توتراً مادياً واضحاً، وتجعل أعماله قريبة في منطقها من العمارة المشغولة بالفتحات والنوافذ والممرات، حيث لا تكون الجدران وحدها هي التي تصنع المكان، وإنما الفراغات التي تشقها أيضاً. فهل تزداد أهمية العمل حين نقرأ علاقته بالتراث العربي والإسلامي دون اختزاله في مجرد زخرفة شرقية؟ وهل هناك حضور واضح لمنطق الأرابيسك، والتكرار النباتي، والتماثل، والمركزية، والدوران، إضافة إلى الحروف العربية بوصفها مادة ذات طاقة شكلية استثنائية؟