11 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 23-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة مصطفى سبيتي... شاعر الجنوب وسادن الفصحى
مصطفى سبيتي... شاعر الجنوب وسادن الفصحى
د. سلوى الخليل الأمين
2026-10-23
مصطفى سبيتي... شاعر الجنوب وسادن الفصحى

 

لم يكن رحيل الشاعر اللبناني الجنوبي مصطفى سبيتي في 19 أيلول 2026 رحيل شاعرٍ فحسب، بل غياب تجربة شعرية وثقافية ارتبطت على مدى عقود باللغة العربية، وبالجنوب، وبالإنسان وقضاياه، وبذاكرة وطن عاش الشاعر تحوّلاته وانكساراته وأحلامه. وقد رحل تاركاً وراءه دواوين وكتباً في الشعر واللغة والتراث، من بينها «براعم على حطب الخليل» و«سَبَل القوافي» و«أرَج الروي»، إضافة إلى «شرح ديوان أبي الطيب المتنبي» و«جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة».

الحديث عن الشاعر مصطفى سبيتي لا يستقيم إذا اختُصر في كونه شاعراً جنوبياً بل كونه شاعراً متمسّكاً بالقصيدة العمودية. في هذا الزمن المتقلب باستمرار. وهذه ليست سوى مفاتيح أولى للدخول إلى عالمه الشعري؛ عالمٍ كانت اللغة فيه موقفاً، والقصيدة ذاكرة، والشعر وسيلة لمواجهة القلق الإنساني والسياسي والزمني.

أبرز ما يستوقف القارئ في تجربة الشاعر الراحل مصطفى سبيتي علاقته الاستثنائية باللغة العربية وتعامله الدائم مع اللغة الفصحى، باعتبارها قالباً شعرياً جاهزاً، بل بدا كمن يعيش داخلها ويستمدّ منها رؤيته إلى عالم الأدب والشعر المتقلّب باستمرار.


وقد وصفه المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، الذي كان يعدّه الشاعر مصطفى سبيتي بيته الثاني، بأنه من شعراء الفصحى الذين تركوا بصمة واضحة، مشيراً إلى ما في قصائده من جمال اللغة ورشاقتها، وهنا تكمن إحدى خصوصياته بحيث أنه كان يؤمن بأن المحافظة على اللغة الفصحى ليست محافظة على شكل قديم، بل دفاع عن أهمية اللغة العربية نفسها على التعبير حاضرا ومستقبلا.

لذلك ارتبط اسمه بالقصيدة العمودية، في وقت كانت فيه قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر قد احتلتا مساحة واسعة من المشهد الشعري العربي. ومع ذلك كان موقفه فيه كل الوفاء للتراث واللغة العربية الفصحى، ولشعرائها الفطاحل خصوصا المتنبي، كونه كان أستاذا للعربية، ووفائه نابع من تمسّكه بالتراث وإيمانه المطلق بما تربّى عليه وما أكتسبه من شعراء العصور العربية القديمة.

وهذه المفارقة تحديداً جديرة بالتوقف عندها: لهذا دافع الشاعر مصطفى سبيتي عن الوزن والقافية، بحيث يصعب أن نكتب عن مصطفى سبيتي من دون الوقوف طويلاً أمام أبي الطيب المتنبي.

فالعلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة شاعر مع شاعر سبقه بقرون، وإنما علاقة شاعرٍ بمشروع لغوي وشعري رأى فيه امتداداً لما يدور في خلده من أفكار وتساؤلات، ولهذا أصدر الشاعر مصطفى سبيتي «شرح ديوان أبي الطيب المتنبي»، وعُرف بحفظ شعر المتنبي والتعمّق في لغته، حتى عرف عنه أنه يعيش عصر المتنبي، وذلك لعمق الصلة التي رآها الآخرون بينه وبين عالم المتنبي. لهذا نجد أن الشاعر مصطفى سبيتي حمل موقفا مجتمعيا، زيّنه بقصائد تعبّر عن الإنسان والتاريخ وذاكرة الأمكنة التي يعيشها وتؤلمه، كونه ابن الجنوب الذي ينزف ألما ووجعا، لهذا رسم له في خياله خريطة زرعها أحلاما وردية، تنغرس في أحلامه وعقله المتنوّر، ينابيع ممزوجة بماء السماء..

عاش أحداث الجنوب، فكتب الشعر وغرسه فوق دروبه عناقيد غضب في الزمن المُرّ، وأطلق صرخته كي يكسر الصمت وكي يرتفع الصوت بالقول: الحق لا يموت ولن يموت.

ببالغ الأسى تلقّينا نبأ الرحيل، رحيل شاعر جنوبي سلاحه القلم، حين سنوات العمر تتطلّع إلى رياح التغيير، التي حمل وزرها وحلم بها، وهو الشاعر النظيف الكف المؤمن بوطنه، المثقف بعمق، الذي لا تقف أمامه أساطين التحليل والتغيير.. بل هو الشاعر المتمكّن من حوليات الأدب وبلاغة الكلمة واللغة العربية الغنية بالمفردات.

الشاعر مصطفى سبيتي ، فقدناك في الزمن الغادر، في الوقت الذي مات فيه الحق واندثر.. وما زلنا نفتش عنه في كتبك وبين قصائدك، علّنا نصل إلى ما نصبو إليه ولو بعد حين، حين تتحوّل الأمكنة إلى مساحات على الهوية، وتصبح القصيدة التي كتبتها، ذاكرة للأجيال التي ستأتي فيما بعد.. وللوطن.

كتبت «لبيروت الثكلى» لتظهر أن بيروت كالأم التي لا تتخلّى عن أبنائها وقت الضيق، فهي تضعهم في حضنها وتلف عليهم غطاء رأسها وتحميهم من المصائب والشرور، لأنها ذاكرة الوطن، وصورته المشرقة بالحياة، حين اللجوء إلى حضنها الدافئ وقت المحن والأرياح العاتيات.

في رحاب لله مثواك أيها الشاعر الجنوبي اللبناني.. الذي حملت آلامك وآلام شعب لبنان إلى حيث أنت في رحاب لله كي توصل الرسالة التي تؤلمنا جميعنا.

جريدة اللواء
أخبار مماثلة