لا تتوقف معركة الانتخابات الإسرائيلية على عدد المقاعد التي سيحصدها كل معسكر، بل على قدرة غادي آيزنكوت على استقطاب جزء من القاعدة الاجتماعية التي أبقت بنيامين نتنياهو والليكود في السلطة لعقود. فالحرب، والإخفاقات الأمنية، وأزمة تجنيد الحريديم تفتح تصدّعات داخل اليمين، وتضع الولاء التقليدي لنتنياهو أمام اختبار جديد. لكن تحويل هذا الغضب إلى أصوات انتخابية ليس مضموناً؛ إذ لا يزال خطاب الهوية والصراع مع النخب قادراً على إعادة توحيد قاعدته. ومن هنا، فإن السؤال الحاسم ليس فقط ما إذا كان آيزنكوت قادراً على منافسة نتنياهو، بل ما إذا كان يستطيع انتزاع أصوات من معسكره من دون أن يشعر الناخبون بأنهم يتخلون عن هويتهم السياسية والاجتماعية.
تكتسب هذه المعركة أهمية إضافية من طبيعة التحالف الذي يستند إليه الليكود. فمنذ التحوّل الانتخابي عام 1977، شكّل اليهود المزراحيون، المنحدرون من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قاعدة مهمة لليمين الإسرائيلي. ولم يكن ولاؤهم مرتبطاً بأصول المرشحين بقدر ارتباطه بالهوية اليهودية التقليدية، والقومية، والشعور بأن النخب الأشكنازية العلمانية لا تمثلهم. لكن هذه المعادلة تواجه اختباراً مع تصاعد الخلاف حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، في وقت يتحمّل فيه جنود الاحتياط أعباء الحرب. فبالنسبة إلى شريحة من الشباب المزراحيين، ولا سيما العلمانيين والتقليديين، باتت المساواة في تحمّل الأعباء مسألة تمسّ العلاقة بين المواطن والدولة.
هنا تبرز فرصة آيزنكوت، المنحدر من عائلة مغربية وصاحب المسيرة العسكرية والأمنية، لاستقطاب ناخبين لا يرون أنفسهم جزءاً من اليسار، لكنهم باتوا أكثر انتقاداً لأداء الحكومة. غير أن هذا التحول ليس محسوماً؛ إذ يستطيع نتنياهو إعادة تعبئة قاعدته عبر استحضار خطاب الهوية والكرامة والصراع مع النخب، وتحويل الغضب من إعفاء الحريديم إلى مواجهة سياسية وثقافية أوسع.
ولا تتحدد النتيجة بهذا التحوّل وحده. فاستطلاعات 21 تشرين الأول 2026 تضع معسكري آيزنكوت ونتنياهو في حالة تقارب شديد، من دون أن تمنح أياً منهما طريقاً واضحاً إلى الأغلبية. ويحتاج تشكيل الحكومة إلى 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، ما يجعل الأحزاب الصغيرة، وخصوصاً تلك التي تحوم حول نسبة الحسم البالغة 3.25%، عاملاً قد يقلب الحسابات. وقد أظهرت انتخابات 2022 أثر هذه المعادلة، عندما أخفق حزبا ميرتس وبلد في دخول الكنيست، وفاز معسكر نتنياهو بـ64 مقعداً (المصادر: «معهد أبحاث البرلمان الأوروبي» جيروزاليم بوست»).
ويبرز التصويت العربي بوصفه عاملاً موازياً. فالعرب يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، وتتوقع تقديرات حديثة ارتفاع مشاركتهم إلى 63%، مقارنة بـ56% في انتخابات 2022. وقد يعزز ذلك تمثيل الأحزاب العربية، لكن تأثيره في هوية الحكومة المقبلة يتوقف على قدرة المعارضة على الاستفادة من أصواتها. وهنا تكمن المفارقة: تشير الاستطلاعات إلى أن معسكر آيزنكوت قد يحتاج إلى دعم عربي مباشر أو غير مباشر، فيما يواصل قادته التحفّظ على التحالف العلني مع الأحزاب العربية خشية خسارة ناخبين يرفضون هذا الخيار (المصدر: «رويترز، 19 تشرين الأول 2026).
وبينما تسعى «راعم» إلى دور سياسي قد يشمل المشاركة الحكومية، تفضّل «القائمة المشتركة» التأثير من خارجها عبر تفاهمات برلمانية. وقد يتيح هذا التباين ترتيبات تسمح بتشكيل حكومة أقلية، لكنه لا يضمن استقرارها. وإذا تعذر جمع أغلبية، تبقى احتمالات حكومة وحدة أو العودة إلى انتخابات جديدة قائمة.
أما على مستوى السياسات، فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالمعارضة نفسها لا تتبنّى موقفاً موحّداً من التسوية مع الفلسطينيين أو الاستيطان، وإن كانت تطرح مراجعة التعديلات القضائية وإعادة بناء العلاقات الخارجية ومحاسبة المسؤولين عن إخفاقات 7 تشرين الأول 2023.
في المحصلة، لن يكون الاختبار الحقيقي هو عدد المقاعد التي يخسرها نتنياهو، بل ما إذا كان الغضب من الحرب والتجنيد وأداء الحكومة قادراً على تفكيك التحالف الذي أبقاه في السلطة. فقد تنجح المعارضة في انتزاع أصوات من اليمين، لكنها لن تصل إلى الحكم ما لم تحوّل هذا التصدّع إلى أغلبية برلمانية، وتتجاوز التناقضات التي تفصل مكوناتها بعضها عن بعض.