يُحكى أن رجلًا أراد الزواج من ابنة رجلٍ تقيّ، عُرف بالحكمة ورجاحة العقل، فاستقبله الأب بالقبول، وبارك له زواجه من ابنته، وجعل مهرها كيسًا من البصل، لا ذهبًا يُكنز، ولا فضةً تُدَّخر؛ وكأنما أراد أن يختبر معدن الرجل، ويكشف ما استتر في دخيلة نفسه وراء ظاهر كلماته.
ومضى عامٌ على زواجهما، حتى اشتاقت الزوجة إلى أهلها، فطلبت من زوجها أن يصحبها في زيارتهم، ولا سيما أنها رُزقت منه طفلًا رضيعًا. وكان لا بدّ لهما من عبور نهرٍ يفصل بين مسكنهما ودار أهلها.
وحين بلغا ضفة النهر، حمل الرجل طفله بين ذراعيه، وترك زوجته تخوض الماء وحدها، كأنّ أمرها لا يعنيه، وكأنّ سلامتها شأنٌ لا يستحق منه التفاتة. وما هي إلا خطوات حتى زلّت قدمها، واختلّ توازنها، وسقطت في الماء، فأخذت تستغيث به، وتستصرخ فيه ما بقي من نخوةٍ أو رحمة.
فما كان منه إلا أن صاح بها ببرودٍ قاسٍ:
«أنقذي نفسك بنفسك؛ فما ثمنك عندي إلا كيسٌ من البصل!»
عندئذٍ انكشف لها من حقيقة زوجها ما لم تكشفه الأيام، وسقط من قلبها ما كان لا يزال يعقدها به من أمل. غير أنّ الله سبحانه قيّض لها من أنقذها، فنجت من الغرق، وعادت إلى بيت أبيها تحمل رضيعها، وفي صدرها غصّة امرأةٍ اكتشفت أنّ من ائتمنته على عمرها لم يأمن عليها من الماء.
قصّت على أبيها ما جرى، فاستمع إليها في سكينة، ثم استدعى زوجها، وقال له في حزمٍ لا يخلو من حكمة:
«خذ طفلك، ولا تعد إلينا إلا ومعك كيسٌ من الذهب!»
انصرف الرجل، وقد ظنّ أنّ الأمر لا يعدو أن يكون شرطًا عسيرًا يُراد به تعجيزه، لكنه لم يدرك أنّ بعض الدروس لا تُلقَّن بالكلمات، وإنما تُكتب في صفحات العمر، ويُدفع ثمنها من عرق الجبين ومرارة الانتظار.
ومضت الأيام، والطفل يكبر في غياب أمه، ويزداد احتياجه إليها، بينما ظلّ أبوه يحاول الزواج بامرأةٍ أخرى، غير أنّ أبواب القبول كانت تُغلق في وجهه. فقد ذاع صيت زوجته وأهلها بالاستقامة وحسن السيرة، ولم يكن من السهل أن يتجاهل الناس ما جرى، أو أن يغضّوا الطرف عن رجلٍ ترك زوجته تواجه الخطر وحدها، ثم احتجّ على نجاتها بأنّ مهرها لم يكن سوى كيسٍ من البصل.
وكان كلّما تقدّم لامرأةٍ جديدة، سبقته قصته، وطاردته عاقبة فعله؛ حتى أدرك أنّ استرداد زوجته لن يكون بالأماني، وأنّ ما استهان به بالأمس لن يستعيده اليوم بكلمات الاعتذار وحدها.
ومنذ ذلك الحين، انقلبت حياته إلى سعيٍ لا يعرف الكلل؛ يعمل نهارًا، ويسهر ليلًا، ويكدح في طلب الرزق، حتى تمرّست يداه على التعب، وعرفته الأيام رجلًا لا يهدأ له بال. وكان كلّما اشتدّ عليه العناء، تذكّر أنّه لم يكن يومًا فقيرًا إلى المال بقدر ما كان فقيرًا إلى المروءة، وأنّ كيس الذهب الذي يسعى إلى جمعه إنما هو ثمن درسٍ لم يفهمه إلا بعد فوات الأوان.
ومرّت السنون، حتى استطاع أخيرًا أن يملأ كيسًا بالذهب، فحمله ومضى به إلى بيت الرجل التقيّ، وقد أثقلته التجربة، وأنضجته المحنة، وعلّمته الأيام أنّ للناس أقدارًا لا تُقاس بما يُدفع فيهم من مال، وإنما بما يستحقونه من وفاءٍ وصون.
تسلّم الأب كيس الذهب، وقَبِل أن تعود ابنته إلى بيت زوجها، بعد أن رأى أنّ الرجل قد دفع من جهده ووقته ما يكفي ليعرف قيمة ما استهان به من قبل.
وانطلقت الزوجة مع زوجها، وفي طريق العودة بلغا النهر نفسه؛ النهر الذي شهد يومًا انكشاف قسوته، وكاد أن يكون شاهدًا على هلاكها. وما إن همّت بوضع قدمها في الماء حتى أسرع الرجل إليها، وانحنى ليحملها على ظهره، ثم مضى بها عبر النهر في حذرٍ واهتمام، وهو يقول:
«حبيبتي، أنتِ غاليةٌ عندي، ومهرك يقصم الظهر؛ فقد دفعت فيك ذهبًا!»
بلغت كلماته مسامع أبيها، فضحك ضحكة العارف بما وراء المشهد، ثم قال:
«حين عاملناه بأصلنا خان، وحين عاملناه بأصله صان!»
ثم مضى يقول، وكأنما أراد أن يضع خلاصة الحكاية في ميزانٍ لا يخطئ:
إنّ الكريم تصنعه المروءة قبل أن تصنعه المكاسب، أما اللئيم فلا يرى في الناس إلا ما يبذلونه له، ولا يعرف قدر ما بين يديه إلا حين يُحرَم منه.
وهنا تكمن العبرة: ليس كلّ من أُكرم عرف قدر الإكرام، ولا كلّ من نال العطاء صان يد المعطي؛ فثمّة نفوسٌ لا توقظها النعمة، بل تُغريها بالتمادي، ولا يردّها الإحسان إلى الوفاء، بل يحملها على الاستهانة بمن أحسن إليها. فإذا انقلبت الموازين، وذاقت الحرمان، أدركت متأخرةً أنّ ما كان في متناول يدها لم يكن رخيصًا، وإنما كانت هي التي عجزت عن معرفة قيمته.
فاحذر أن تجعل قيمة الإنسان رهينة ما تدفعه فيه، أو أن تختزل المودّة في حسابٍ من ربحٍ وخسارة؛ فالمحبّة التي لا يوقظها إلا الثمن ليست محبّةً، والوفاء الذي لا يظهر إلا بعد الفقد ليس فضيلةً مكتملة، بل معرفةٌ جاءت متأخرةً، وربما لم يبقَ من العمر ما يكفي لجبر ما أفسدته.
ولعلّ أبلغ ما تختصر به هذه الحكاية قول العرب:
«إذا أكرمت الكريم ملكته، وإذا أكرمت اللئيم تمرّدًا».
فليس الإحسان وحده ما يكشف معادن الناس، بل ما يفعلونه حين يظنّون أنّ لا ثمن لما بين أيديهم؛ هناك، عند امتحان المروءة، يسقط القناع، وتنكشف الحقيقة، ويُعرف من يصون النعمة وفاءً، ومن لا يصونها إلا خوفًا من فقدانها.